معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 265
إنّما أنت لاعب، وكذلك الّذي يشغل نفسه بعمل ذي نفع ضئيل، تاركا عملا ميسّرا له ذا نفع عظيم كثير.
كلمة ذِكْرٍ جاءت في القرآن للدّلالة بها على آيات القرآن المجيد، لأنّ المطلوب بعد تلقّي القرآن وتفهّم معانيه؛ أن يبقى في النّفس ذكرا يستدعى عند كلّ مناسبة داعية إلى ساحة التّذكّر الحاضر، أو تستدعى المعاني الّتي دلّ عليها.
فحال هؤلاء المعنيّين؛ أنّهم كلّما جاءهم من ربّهم قران محدث التّنزيل تلاه عليهم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم؛ استمعوه وهم يلعبون بما لا نفع فيه، أو نفعه قليل ضئيل، دون أن يصل ما استمعوه من القرآن إلى مراكز التّفكير لديهم، استهانة به، وانصرافا كلّيّا عنه، غير عابئين بالمعاني الّتي دلّ أو يدلّ عليها، وسبب ذلك أنّ قلوبهم تكون لاهية بمتاعات الحياة الدّنيا، ومطالب نفوسهم من زيناتها ولذّاتها. فهم في حالة لهوهم بهذه الأمور تكون تصرّفاتهم لعبا.
أو هم فعلا مشغولون باللّعب، كالنّرد، ونحوه.
الصّفة الثالثة الّتي حالهم عليها وقد اقترب حسابهم ولواحقه، هي:
أنّ الظّالمين منهم ظلما شنيعا؛ يتناجون فيما بينهم سرّا، بقضيّتين لنشرهما نشرا إعلاميّا.
القضيّة الأولى: هل محمّد- صلّى اللّه عليه وسلّم- هذا إلّا بشر مثلكم؟، وإذا كان بشرا مثلكم فلماذا استكبر عليكم بأنّه نبيّ اللّه ورسوله، ويريد أن يكون هو الآمر والنّاهي لكم باسم الدّين الّذي يقول: إنّه يتلقّاه عن ربّكم ربّ العالمين.
ولتغلبوه فكريّا أشيعوا بين جماهيركم أنّه بشر مثل سائر البشر، وليس له ميزة خاصّة تؤهّله لأن يكون نبيّا من أنبياء اللّه، ورسولا من رسله، دلّ على هذه القضيّة: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؟؟.