معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 485
وما نحن بمسبوقين في شيء ما نريده، بل نحن السّابقون النّافذة مشيئتنا في كلّ شيء جبرا أو تخييرا.
ولا يخفى ما في استعمال ضمير المتكلّم العظيم، من دلالة على عظمة ربوبيّة الرّبّ، وقهره وجبروته وسلطانه.
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ: دلّت عبارة: وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على عبارة مطويّة غير مذكورة في ألفاظ النصّ، وهي:"بل نحن قادرون"وجاءت عبارة عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ مبنيّة عليها، أي: بل نحن قادرون على أن نبدّل بكم أمثالكم، فنخلق بشرا آخرين أمثالكم، ونجعلهم أبدالا لكم، فما أنتم إلّا خلق من خلقنا، نحييكم بحسب مشيئتنا، ونميتكم بحسب مشيئتنا، ونأتي بأمثالكم أبدالا عنكم بحسب مشيئتنا الّتي ننفّذها إذا اقتضت ذلك حكمتنا.
وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (61) : أي: ونحن قادرون على أن ننشئكم النّشأة الأخرى، التي يكون بها بعثكم للحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء. وتكون هذه النشأة الأخرى في ظروف وأسباب وأزمان وأحداث لا تعلمونها، كما كنتم عند النشأة الأولى الّتي كنّا ننشئكم إيّاها لا تعلمون عنها شيئا، وأنتم في أصلاب آبائكم، ثم في أرحام أمّهاتكم، ثم في طفولتكم الأولى، وبعد أن عقلتم وعلمتم نشأة أشباهكم، صرتم تقيسون نشأتكم عليها، فعلمتموها عن طريق قياس الأشباه والنظائر بعضها على بعض.
الظاهرة الثالثة: ظاهرة نشأة الحياة الأولى، وقد جاء التنبيه عليها في قول اللّه عزّ وجلّ:
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى: أي: عن طريق ملاحظة نشأة أشباهكم ونظائركم، وأنّها كانت سلالة في أطوار بدأت من الطين، إذ