معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 483
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (61) :
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وفي القراءة الأخرى: [قدرنا] والمعنى فيهما واحد، يقال لغة:"قدّر الشّيء، وقدره"أي: حدّد مقادير كلّ وصف فيه له وحدات صغرى، تقدّر جملته بمقدار أعدادها، كأعداد ذرّاته، وأعداد نقاط طوله وعرضه، وأعداد وحدات طاقته.
فالمعنى: نحن جعلنا موت كلّ واحد منكم مقدّرا بالزمان، والمكان، والأسباب، فلا يتأخّر موت كلّ حيّ منكم زمانا ما، مهما قلّ، ولا يتقدّم موته زمانا ما، مهما قلّ، والمكان الذي حدّدناه أن يموت فيه لا بدّ أن يموت فيه، وكذلك السّبب.
فمعنى:"قدّرنا"و"قدرنا"في هذا النّصّ، حدّدنا الوحدات الزمنيّة، الّتي تستمرّ فيها حياة كلّ منكم، والوحدة الزّمنيّة الصّغرى الّتي يموت فيها بانفصال الرّوح عن نفسه الّتي تذوق به الموت، والمكان الذي يكون موته فيه، والسّبب الذي اخترناه لأن يكون موته به.
والموت يكون بنزع روح الحيّ من نفسه المشتملة على برنامج وجوده وحياته، وفي نواة كلّ خليّة من خلايا جسده"برنامجه الوراثي"أي: الخطّة الأساسيّة الشّاملة لكلّ صفاته الجسديّة والنفسية، وعلى وفقها تظهر صفاته، فما هو منها جبريّ، لا يخضع لاختيارات إرادته، كصفاته الجسدية، وما هو منها على غير نظام الجبر، يكون لديه استعداد للاستجابة لمطالب إرادته الحرّة، كحركة يديه ورجليه، وأجفان عينيه، ولسانه وشفتيه.
ودلّنا على أنّ النّفس هي التي تذوق الموت بمفارقة الرّوح للجسد ما يلي: