معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 294
أمّا الرّحمة بالنسبة إلى الخالق جلّ وعلا فهي صفة من صفاته النّفسيّة على ما يليق بجلاله، ومن آثارها الإنعام والإكرام.
وهل لفظ"رحمن"مصروف أو غير مصروف؟.
فيه قولان، ومال السّعد التفتازاني إلى جواز الأمرين فيه.
الرّحيم: صفة مشبّهة أيضا مأخوذة من الرحمة، وهي مبنيّة على وزن"فعيل"وهو من صيغ المبالغة أيضا، لكنّ لفظ"رحمان"أكثر حروفا من لفظ"رحيم"ومن مقرّرات أئمة اللّغة العربيّة أنّ زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى.
وجاء الجمع بين الرحمن والرّحيم لأمور، وفيما يظهر لنا منها ما يلي:
(1) تأكيد الثناء على اللّه عزّ وجلّ بصفة رحمته وآثارها في عباده.
(2) الاسترحام والإشارة إلى الطّمع الشّديد بإنعام اللّه وإكرامه وإحسانه واستدرار فيوض عطاءاته، وهذا ما يشعر به جمع أسماء اللّه الحسنى المشتقة من الرحمة، قبل إعلان أنّه مالك يوم الدّين، اليوم الّذي يحتاج فيه العباد إلى عفو اللّه وغفرانه وفيض منّته بإدخالهم جنّات النعيم دون حساب أو بحساب يسير، فالمسترحم من شأنه أن يستقصي كلّ أوصاف الثناء الّتي تدلّ على الرحمة الواسعة التي يتصف بها من يوجّه له استرحامه.
(3) الإشارة إلى رحمته بإرسال خاتم المرسلين الذي أرسله رحمة للعالمين، وإلى رحمته بإنزال القرآن الذي هو من مظاهر رحمته بهم، ورحمته بما اصطفى لعباده من الدّين الذي اشتمل على ما يصلح دنياهم وأخراهم، ويكون لمن اتّبعه سببا لسعادته الأبديّة في الجنّة دار رحمته العظمى.