وقد وسّعنا القول حول هذه الأمور التي أشار إليها الأستاذ البنا، وناقشنا في سياقها قضايا مهمة وعلى جانب من الخطورة في عصرنا، تتعلق بالسياسة الشرعية، مثل بيان الرأي النبويّ وتغيّره، ورأي الخلفاء الراشدين وتغيّره، ومدى إلزامية رأيهم في السياسة الشرعية لمن بعدهم.
كما تحدّثنا عن المصلحة المرسلة وشروطها وضوابطها، والمصلحة الملغاة، والمصلحة المعتبرة، وكذلك عن الشورى ومدى إلزامها لولي الأمر.
ولم ننْسَ بيان الأسس والمرتكزات التي يقوم عليها فقه السياسة الشرعية، وهي:
فقه المقاصد، وفقه الواقع، وفقه الموازنات، وفقه الأولويات، وفقه التغيير.
ولا ريب أن موضوع السياسة الشرعية مهمّ وخطير، والفقهاء من عهد ابن القيم وما قبله، ما بين جامد حجّر ما وسع الله في شريعته، وغلّق الأبواب على ولاة الأمر، فاستحدثوا قوانين سياسية بمعزل عن الشريعة، ومرخّض بالغ في البحبحة لهم، حتى اجترءوا على حدود الله وحقوق الناس.
والمنهج الوسط هو المطلوب دائمًا، فهو لا يغلو ولا يقصر، ولا يطغى ولا يُخْسِر في الميزان.
ونحن أحوج ما نكون إلى هذا المنهج الوسطي في عصرنا، وخصوصا في هذا الموضوع الذي قد كثُر فيه اللغط، واختلط فيه الصواب بالغلط، وتنازعت في الإفتاء فيه مدارسُ متباينةٌ في أهدافها وفي مناهجها: ما بين «متسَيِّبِيْن» لا يريدون أن يتقيّدوا بشيء، ولا أن تضبطهم ضوابط، ولا أن تحكمهم أصول وقواعد، زاعمين أنّهم إنما يحكّمون روح الدين، ومقاصد الشرع، وهم أبعد الناس عن مقاصد الشرع، وروح الدين.
وما بين «حَرْفِيِّين» جامدين يعيشون في الماضي وحده، ويجترّون القديم، ولا يعايشون العصر، ولا يحسون بما تمور به الحياة من أفكار، ولا ما يجري في العالم من حولهم من أحداث، وما يجدّ كل يوم من جديد، لا يكاد يلاحقه الناس، فهؤلاء في غفلة عن مقاصد الشرع، وعن مشاكل العصر.