أما ابن عطية فقد أورد أقوال الصحابة منسوبة إلى قائليها واستشهد بالحديث مكتفيا بموضع الشاهد منه من غير ذكر سند ولا راو، ولم يعرض للراجح من الأقوال.
وفي ضوء المقارنة بين ما تقدم من الأقوال في هذا المثال والوقوف على النتائج يتضح تفوق الطبري بالمأثور والعناية به، والانفراد بالإمامة فيه بذكره الروايات المتعددة بأسانيدها المنتهية إليه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعن صحابته الكرام، مرجحا أن الفردوس هو سنام الجنة وأعلاها وأفضلها معضدا ذلك بالدليل وهو الحديث الصحيح الوارد في البخاري وغيره، ولا ريب فإن هذا يضفي على تفسيره طابع القوة، ومن ثم وجوب الأخذ والاعتماد.
المثال الثاني: المقارنة في النحو: اللام في قوله {لِئَلّا} من وقوله تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلّا يَقْدِرُوْنَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ} [الحديد: 29] . وجمهور المفسرين على أن (لا) هنا زائدة حتى أن الآلوسي بعد قوله بالزيادة نقل قولا ضعيفا كونها غير مزيدة، فقال: وقيل: إن (لا) في {لِئّلَّا يَعْلَمَ} غير مزيدة (1) . وهذه طائفة ممن قال بالزيادة: الفراء قال:"وفي قراءة عبد الله لكي يعلم أهل الكتاب ألا .. والعرب تجعل (لا) صلة (2) ، وقال النحاس:" (لا) زائدة للتوكيد ودل على هذا ما قبل الكلام وما بعده أي لأن يعلم، ويروى عن ابن عباس أنه قرأ {لِأَنْ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} ، وكذا يروى عن عاصم الجحدري، وعن ابن مسعود {لِكَيْ لَا يَعْلَمَ} ، وهذه القراءات على التفسير" (3) . وقال الزمحشري:" {لِئَلَّا يَعْلَمَ} ليعلم أهل الكتاب
(1) روح المعاني 27/ 193 - 194.
(2) معاني القرآن 3/ 137.
(3) إعراب القرآن 4/ 369.