الثانية: وضع خطة محكمة تعتمد منهجية واضحة، مرتبة ومبوبة، ومتسلسلة في مطالب أو مباحث تترجم المطلوب بدقةٍ وموضوعية، وهذا التقسيم والتبويب ليس أمرا جديدا في منهجية البحث العلمي، فقد طبقه علماؤنا القدامى في مؤلفاتهم ومصنفاتهم وهو ما يسمى عند الأصوليين وغيرهم السبر والتقسيم (1) ، مع تنصيصهم على الغاية والمقصد. وما قاله ابن عطية في مقدمة تفسيره خير دليل على ذلك:"فلما أردت أن أختار لنفسي، وأنظر في علم أعد أنواره لِظُلم رمسي، سبرتها بالتنويع والتقسيم .. ففزعت إلى ما يُتَنَخَّل لي في المناظرة من علم التفسير، - وأما عن الترتيب فيقول - وترتيب المعاني ... وسردت التفسير في هذا التعليق بحسب رتبة ألفاظ الآية من حكم، أو نحو، أو لغة، أو معنى، أو قراءة، - وأما عن المحافظة على الترتيب المنهجي والتسلسل فيه وعدم وقوع الخلل فيه فيقول - وقصدت تتبع الألفاظ حتى لا يقع طفر - أي خلل وقفز في عدم التتبع - كما في كثير من كتب التفسير" (2) .
الثالثة: تدوين المادة العلمية وتوثيقها، وذلك باستطلاع آراء المفسرين، وجمع أقوالهم، وما كتبوه في الآية أو الآيات موضوع المقارنة، بكل دقة وأمانة، مثلما وردت في المصدر من غير زيادة ولا نقصان، سواء أكان نقلا أم تصرفا في النقل، وممل ينبغي ملاحظته هنا أن هذه المنهجية العلمية قد قررها علماؤنا، وترجموا ذلك واقعا يلمسه كل من يقرأ في كتبهم ومصنفاتهم.
(1) وهو من مسالك العلة، وهو عبارة عن حصر الأوصاف في حكم واقعة ما ورد في علته نص، ثم اختبار هذه الأوصاف لما يصلح أن يكون علة وما لا يصلح، ينظر الشوكاني: إرشاد الفحول 213.
(2) ابن عطية: المحرر الوجيز 1/ 10 - 11.