الصفحة 40 من 68

مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة: 26] . وفي تفسير: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} قال الزمحشري:"وإسناد الإضلال إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى السبب، لأنه لما ضرب المثل فَضَلَّ به قوم واهتدى به قوم تسبب لضلالهم وهداهم" (1) .

وقال أبو حيان:"وإسناد الضلال إلى الله إسناد حقيقي كما أن إسناد الهداية كذلك، فهو خالق الضلالة والهداية" (2) .

وفي ضوء الموازنة بين القولين نجد الزمحشري قد فسّر الآية محكوما بنزعته الاعتزالية التي تقتضي أن العبد يخلق أفعاله"تفريعا"على أصل"العدل"عنده، فقرر أن إسناد الإضلال إلى الله تعالى إسناد مجازي، لا على سبيل الحقيقة، فالإنسان هو صاحب الشأن في الهداية والضلال، وكل فعل للإنسان هو إرادته المستقلة عن إرادة الله تعالى.

أما أبو حيان فقد قرر أن إسناد الضلال إلى الله تعالى إسناد حقيقي، كما أن إسناد الهداية كذلك، ومذهبه هنا هو مذهب السلف الصالح، وهو أن الله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، والله خالق كل شيء حقيقة، ومنها أفعال العباد، لأنه موجد الأسباب ومسبباتها، وأخبر سبحانه أن للعبد مشيئة، وأن له قدرة واستطاعة، والعبد فاعل لفعله وفق تكليفه وأهليته، ولقد جاءت الآيات بذلك، ومنها قوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيْلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُوْرًا} [الإنسان: 3] ،

(1) الكشاف 1/ 267.

(2) البحر المحيط 1/ 203.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت