موضوع:"مس الشيطان ونخسه"بين الزمحشري والآلوسي: قال تعالى: {وَإِنِّيْ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّيْ أَعِيْذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ} [آل عمران: 36] .
قال الزمحشري عند تفسير هذه الآية:"وما يروى من الحديث: «مَا مِنْ مَوْلُوْدٍ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حَيْنَ يُوْلَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا» (1) ، فالله أعلم بصحته، فإن صح معناه: إن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك من كان في صفتهما، كقوله: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِيْنَ} [ص: 82 - 83] ، واستهلاله صارخا من مسّه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسّه ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا مما أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي:"
لما تُؤذن الدنيا به من صُروفها ÷ يكون بكاء الطفل ساعة يولَدُ
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سُلِّط إبليس على الناس ينخسهم، لامتلأت الدنيا صراخا وعياطا مما يبلونا به من نخسه" (2) ."
ومما يلحظ على قول الزمحشري توقفه في صحة الحديث أولا، ثم تأويله وصرفه عن حقيقته عند افتراض صحته، وحمله على التخييل والتصوير، وإنكاره مقتضى الحديث من معنى ظاهر حقيقي معززا رأيه بما ورد من شعر العرب، ثم طعنه في كل من حمل المس والنخس على الحقيقة، وعلى رأسهم أهل السنة والجماعة، وأن ما
(1) رواه البخاري ومسلم، ينظر فتح الباري بشرح البخاري / كتاب التفسير (باب وإني أعيذها) 8/ 212، والنووي بشرح مسلم (باب فضائل عيسى عليه السلام) 15/ 120.
(2) الكشاف 1/ 426.