ذهبوا إليه محض توهم لا حقيقة له ولا وجود.
وإذا ما رجعنا إلى تفسير الآلوسي، نرى أنه بعد تفسيره الاستعاذة والرجم، حمل الحديث على الحقيقة، وأكد ما جاء فيه من المس والنخس بما يعضده من روايات مأثورة، ثم نقل طعن القاضي عبد الجبار والزمحشري فقال:"وطعن القاضي عبد الجبار بإصبع فكره في هذه الأخبار بأنها خبر واحد على خلاف الدليل، وذلك أن الشيطان إنما يدعو إلى مَن له تمييز، ولأنه لو تمكن من هذا الفعل لجاز أن يُهلك الصالحين، وأيضا لِمَ خُصَّ عيسى وأمه دون سائر الأنبياء، وأنه لو وجد المسّ أو النخس لدام أثره وليس فليس". انتهى قول القاضي عبد الجبار. ثم نقل طعن الزمحشري وإنكاره لما اقتضاه الحديث من الحقيقة والتوقف في صحته وحمله على التخييل والتصوير كما مر ذكره حرفيا، وعقّب عليه بقوله:"ولا يخفى أن الأخبار في هذا الباب كثيرة، وأكثرها مدوّن في الصحاح، والأمر لا امتناع فيه، وقد أخبر به الصادق عليه السلام، فَلْيُتَلَقَّ بالقبول. والتخييل الذي ركن إليه الزمحشري ليس بشيء، لأن المس باليد ربما يصلح لذلك، أما الاستهلال صارخا فلا، على أن أكثر الروايات لا يجري فيها مثل ذلك، وقوله:"لامتلأت الدنيا عياطا"قلنا: هي مليئة، فما من مولود إلا يصرخ، ولا يلزم من تمكنه من تلك النخسة تمكنه منها في جميع الأوقات، كيف وفي الصحيح: «لَوْلَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَحْفَظُوْنَكُمْ لَاحْتَوَشَتْكُمُ الشَّيَاطِيْنُ كَمَا يَحْتَوِشُ الذُّبَابُ اَلْعَسَلَ» ، وفي رواية: «لَاخْتَطَفَتْكُمُ الْجِنُّ» ، وفسر قوله تعالى: {لَهُ مَعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ} [الرعد: 11] في أحد الوجوه به، وبهذا يندفع أيضا قول القاضي من أنه لو تمكن من هذا الفعل"