ويطلعنا القرطبي أيضا على أصول تفسيره في مقدمته فيقول:"وبعد، فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع الذي استقلّ بالسنة والفرض ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري، وأستفرغ به مُنَّتِي - قواتي - بأن أكتب فيه تعليقا وجيزا، يتضمن نُكَتا من التفسير واللغات، والإعراب والقراءات، والرد على أهل الزيغ والضلالات، وأحاديث كثيرة شاهدة لما ننقله من الأحكام ونزول الآيات، جامعا بين معانيها، ومبيّنا ما أشكل منها، بأقاويل السلف ومن تبعهم من الخلف ... وشرطي في هذا الكتاب: إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها ... وأضرب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين، إلا ما لا بد منه ولا غنى عنه للتبيين، واعتضت عن ذلك تبيين آي الآحكام ... فضمنت كل آية تتضمن حكما أو حكمين فما اد مسائل نبيّن فيها ما تحتوي عليه من أسباب النزول، والتفسير الغريب، والحكم فإن لم تتضمن حُكما، ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل، هكذا إلى آخر الكتاب" (2) .
وهكذا أجد أن مقومات المنهج ومرتكزاته تقوم على اللغة والمأثور والقراءات والنحو والبلاغة والأحكام، والموقف إزاء الروايات الإسرائيلية ومسائل العقيدة وغيرها من علوم القرآن التي تبين عن معاني الآيات وتوضح مقاصدها.
وأما موضوع الالتزام بما شرطه المفسر فأمر يحتاج إلى توثيق بالأمثلة من واقع تفسيره، الأمر الذي يقتضي التتبع الدقيق، والنظر العميق.
ومما تحسن الإشارة إليه أن المفسرين عامة تحكم
(1) القرطبي: مقدمة التفسير 1/ 2 - 3. وانظر أيضا مقدمة أبي حيان في البحر المحيط من عند قوله:"وترتيبي في هذا الكتاب ... إلى قوله: ... وستقف على هذا المنهج الذي سلكته إن شاء الله تعالى 1/ 13 - 14."