ذكرناه من أن السايس الحكيم إذا ثبتت حكمته وابتغاؤه الصلاح لمن تحت يده كفى ذلك عن تتبع مقاصده بمن يولي أو يعزل, أو فيما يدبر لنفسه وأهل رعيته, إلا أن يبلغ الأمر في ذلك مبلغا لا يوجد لفعله منفذ ومساغ في المصلحة, فحينئذ يخرج صاحبه الفاعل عن استحقاق صفة الحكيم" [1] اهـ."
وهذا نص ثمين يؤكد أهمية ودوران الحكم والإمامة على وجود المصلحة التي تنتج عادة عن الحكمة, ومتى ما انتفت صفة"الحكيم"عن السايس كان ذلك إيذانا بثبوت نقيضها وهو الجهالة, وكما ذُكر في المطلب السابق فإن من صفات الإمام:"العلم", فمتى ما تحققت الجهالة كان ذلك مدعاة إلى خلع هذا الإمام, حفاظا على المصلحة العامة للمسلمين التي لا يتوخى تحققها مع سايس غير حكيم.
وهذه هي طبيعة الشاشي في كتبه التي وقفت عليها, إذ يأتي في المسألة بكلام قليل ذي دلالات عميقة إذا فُككت رموزه. وقد نص في موقع سبق ذكره أنه يرجع كلامه إلى المذهب الشافعي بالجملة [2] .
وقد وضح الحديث النبوي ضوابط خلع الطاعة للإمام بقوله:"عن جنادة بن أبي أمية [3] قال: دخلنا على عبادة بن الصامت [4] وهو مريض، قلنا: أصلحك الله، حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا"
(1) القفال الشاشي، مرجع سابق ص 37، المرجع السابق 26.
(2) انظر: القفال الشاشي، مرجع سابق، ص 37، المرجع السابق، ص 3.
(3) جنادة بن أبي أمية الأزدي, لقي أبا بكر، وعمر، ومعاذا، وحفظ عنهم، وكان ثقة، صاحب غزو، توفي في سنة: 80 هـ, في خلافة عبد الملك بن مروان, ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، ط 1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1410 هـ ـ 1990 م) ، 7/ 439.
(4) عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد , صحابي، من الموصوفين بالورع. شهد العقبة، وكان أحد النقباء، وبدرا وسائر المشاهد. ثم حضر فتح مصر توفي سنة: 34 هـ, الزركلي، مرجع سابق، ص، 13، المرجع السابق،: ص 3/ 258.