المبحث الأول
صيانة العقل من المفسدات المعنوية
المفسدات المعنوية: هي المصادر أو المناهج التي تغذي العقل البشري بالأفكار والعقائد الفاسدة؛ وهي قد تشمل العقائد والمعلومات والمعارف كلها، سواء أكانت دينية أم اجتماعية أو سياسية أو عسكرية أو اقتصادية؛ فإن العقل إذا غذي بعقائد وأفكار ومعلومات فاسدة يسوء تصوره، ويفسد ويضل، ويصبح أخطر من العقل الخالي من المعلومات، لأن هذا الأخير يمكن أن يُهيأ له من يغذيه بالعقيدة السليمة والفكر الصحيح والمعلومات الصادقة، فيكون قبوله لها سهلًا، بخلاف العقل الذي غذي بمعاني فاسدة وتشرَّب بها وتمكنت منه، فإن انتزاع تلك المعاني الفاسدة منه وإحلال معاني صحيحة محلها ليس سهلًا بل قد يكون من الصعوبة بمكان، وهذا واضح في أهل الملل المختلفة في العالم، وفي أصحاب العقول التي تمكنت منها التبعية العمياء، والتقليد الأعمى الذي عطل عقولهم عن وظيفتها، وفيهم معنى قول الله سبحانه وتعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ*لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ) [1] . وقوله تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) [2] .
فالعقل الذي يصان من المفسدات المعنوية يصعب أن يستجيب لما يفسده حسيًا، كما تسهل صيانته منها، بخلاف العقل الذي تفسده المعاني الفاسدة، فإنه من الصعب صيانته منها، ومن السهل أن يستجيب بعد ذلك لما يفسده حسيًا.
والأفكار والعقائد الفاسدة ناتجة عن تلقي العقل لها من غير الوحي
(1) الحجر: الآية 14 - 15.
(2) الأنعام: الآية 7.