محلُّ العقلِ، كما أنّ الآذان محلّ السمع" [1] ."
وإذا كان العقل في اصطلاح العلماء اسم مشترك يطلق على عدة معانٍ، منها: الغريزة أو القوة أو الآلة التي يُتأتى بها التوصل إلى العلوم النظرية، ويُعرَف بها الخالق، ويَحصُل بها تصديق الرسل والتزام الشرائع، وأنّ من العقل ما هو غريزي ومنه ما هو مكتسب، إلى غير ذلك من المعاني، إلا أنّ أهم معاني العقل -عند الإمام أبي حامد الغزالي- ترتبط بمفهوم"التحصيل القلبي"؛ وذلك على معنيين:
أحدهما: ويُراد به المُدرِك للعلوم، فيكون هو القلب، أي تلك اللطيفة التي هي العضو [2] . أي الأداة الغريزية في الإنسان التي يدرك بها الأشياء على ما هي عليه من حقائق المعنى، ويُسميها بعضهم"العقل الغريزي"فهو الطاقة الإدراكية في الإنسان.
والثاني: يراد به العلم بحقائق الأمور، فيكون العقل عبارة عن صفة العلم الذي محله القلب. أي هو ما توفره هذه الأداة الغريزية، وتلك الطاقة الإدراكية من حصيلة معرفية، وفكر وخبرة، ويسميها بعضهم العقل المكتسب، فهو نتيجة للعقل الغريزي، وهو ينمو إن استعمل وينقص إن أُهمل [3] .
وهذا يعني أنه قد يراد بالعقل صفة العلم الحالة في القلب، كما يراد به الموصوف الذي هو محل الإدراك وهو القلب. وهذا هو معنى قول الغزالي:"فيقال في حد العقل باعتبار أحد مسمياته: إنه بعض العلوم الضرورية كجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، كما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني، وبالاعتبار الثاني أنه غريزة يتهيأ بها النظر في المعقولات" [4] .
هذا وينبغي أن نعلم أن"إضافة العربِ الشيءَ إلى الشيءِ، إمّا لكونه هو"
(1) الشوكاني، محمد بن علي: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، مكتبة ومطبعة البابي الحلبي، القاهرة، 1383 هـ/ 1964 م، 3/ 459.
(2) اختلف العلماء في محل العقل من الإنسان على أقوال عدة، فمنهم: من يرى أن العقل محله الدماغ وهو الذي يقرره الأطباء وعلماء النفس والتشريح، ومنهم من يرى أن العقل محله القلب، ومنهم: من يرى أن العقل محله القلب والدماغ معًا، وممن قال بهذا القول: ابن سلام، وابن تيمية، وابن القيم. ورجح بعضهم أن محل العقل هو المخ، والدليل على ذلك العلم التجريبي من خلال التسجيل الكهربائي والفيزيولوجي. وبدليل أنه تم -بفضل الله تعالى- إجراء كثير من العمليات لعدد من الأشخاص، بقلوب لأشخاص آخرين متوفين، ومع ذلك ظلت قدراتهم العقلية بعد تركيب هذه القلوب هي قدراتهم نفسها التي كانت لهم بقلوبهم الأولى، ما يدل على أن هذه القدرات العقلية في المخ بالرأس. وليس هناك تعارض بين مفهوم القلب في القرآن، ومفهومه بالمعنى الحرفي الطبي الذي يعني أن القلب ليس هو محل العمليات العقلية، لأن القلب الذي في الصدر هو الذي يضخ الدم إلى العقل، وينظم وصوله إليه، فإذا اضطرب هذا الضخ والتنظيم اختل العقل الذي في الدماغ، لأن كفاءته متعلقة بكفاءة القلب الذي بالصدر، واختلال هذه الكفاءة يؤدي إلى اختلال كفاءة العقل، ومن هنا فإن عمى القلب الصدري يؤدي إلى فساد العمليات العقلية التي يقوم بها العقل الدماغي. وإذا كان القرآن أسند العمى أو التعقل إلى القلب، فلا مانع من ذلك، لأن القلب هو الذي يبعث على إدراك العقل، وان كان محله خارجًا عنه. ومن هنا فإنّ القلب هو سبب حياة المخ، الذي هو جهاز التفكير، وسبب السبب في شيء، سبب في ذلك الشيء. (( انظر في هذا كله: المطيري، بندر بن فهد: الجناية على العقل في ضوء الشريعة الإسلامية، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، ط 1، 1425 هـ/ 2004 م، ص 18 وما بعدها، والمراجع التي أشار إليها ) ).
(3) الماوردي، علي بن محمد بن حبيب. أدب الدنيا والدين، دار الباز للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، 1407 هـ/1987 م، ص 7. والمسودة لآل تيمية، ص 497. وهذا يشبهه مذهب كانت في الفلسفة الألمانية والذي يتحدث عن العقل المحض (الفطري) ، والعقل التجريبي (العملي) .
(4) الغزالي، أبو حامد: المستصفى في أصول الفقه، ص 20.