وهذا يعني أنّ وصف"العقل"في ذاته بغير آثاره العضوية من الصعوبة بمكان، لأنه عبارة عن فاعلية معرفية بعيدة عن مفهوم العقل"العضو".
كذلك الباحث في القرآن الكريم يجد أنه لم يرد فيه لفظ"العقل"كمصدر، وإنما ذكر الفعل بعدة صيغ هي:"عقلوه، تعقلون، يعقلون، نعقل، يعقلها" [1] ، جاء ذلك على مستوى آيات كثيرة، وفي سور متعددة، تحمل معاني مشتركة، لابد فيها من مراعاة السياق القرآني؛ ومجمل تلك المعاني تدور حول العقل بمعنى القوة"المتهيئة"لقبول العلوم، كما في قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) [2] . وقوله سبحانه: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [3] ، وهذه القوة هي التي يحصل بها التمييز بين الحسن والقبيح، وكذلك يكون بها العلم بصفات الأشياء من حيث الكمال والنقصان.
ولو جاء التعبير في القرآن الكريم بلفظ المصدر"العقل"لفهمنا أنه عضو كباقي الأعضاء البدنية، في حين نجد مختلف اشتقاقات فعل"العقل"تشير إلى أنه وظيفة من الوظائف القلبية، كما في وصفه تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا) [4] .
فالقرآن يُسمّى العقل قلبًا، كما يُسمى القلب عقلًا، قال الله سبحانه: (وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ) [5] . وقال سبحانه: (وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) [6] . وقال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) [7] ."قال ابن عباس رضي الله عنه: أي عقل، قال الفراء: وهذا جائز في اللغة أن تقول: ما لك قلب، وما معك قلب، تريد العقل، وقال ابن قتيبة: لما كان القلب موضعًا للعقل كنى به عنه" [8] . ويقول الشوكاني:"وأُسْنِدَ التعقُّلُ إلى القلوبِ، لأنّها"
(1) انظر على سبيل المثال: البقرة آية 75، وآل عمران آية 65، والمائدة آية 58، والعنكبوت آية 43، والملك آية 10.
(2) العنكبوت الآية 43.
(3) الملك: الآية 10.
(4) الأعراف: الآية 179.
(5) التوبة: الآية 87.
(6) التوبة: الآية 93.
(7) ق: الآية 37.
(8) ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد (ت 597 هـ) زاد المسير، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1404 هـ، 8/ 22.