استُعمل وينقُص إنْ أُهمل [1] . ولقد كانت العرب تقول:"العقلُ: التجاربُ"، وسُئل بعضهم عن العقل، فقال:"لُبٌّ أَعَنْتَهُ بِتَجْرِيبٍ" [2] .
وهذه التجارب ليس لها نهاية، والعقل منها في ازدياد، فكلَّما كثرت تجارب الإنسان، زاد عقلُه، بسبب ازدياد علومه. كما قال أحدهم:
ألَمْ تَرَ أنَّ العقلَ زَيْنٌ لأهْلِهِ وأنّ كمالَ العقلِ طُولُ التجارِبِ [3]
وهكذا ترى أنّ العقل اسم مشترك يُطلَق على عدة معانٍ، أهمها هذه المعاني الثلاثة مجتمعةً: الغريزة، والعلوم الضرورية، والعلوم المكتسبة.
ولأنّ العقل اسم مُشترك يُطلَق على معانٍ متعددةٍ، فقد اختلفت تعريفات العلماء له من الناحية الاصطلاحية، ولكثرة اختلاف اصطلاحات العلماء في تحديد معنى العقل وجدنا أن إمام الحرمين الجويني -رحمه الله- يصرح بأنه من الصعوبة بمكان بيان حقيقة (العقل) من الناحية الاصطلاحية، حين قال:"فإنْ قيل: فما العقل عندكم؟ قلنا: ليس الكلام فيه بالهين" [4] . ولعل مَرْجع هذه الصعوبة اختلاف اصطلاحات العلماء في تحديد معناه، نظرًا لكونه اسمًا مشتركًا يُطلق على عدد من المعاني.
وهذا ما ذكره الغزالي -رحمه الله- بقوله:"وكذلك إذا قيل: ما حَدُّ العقل؟ فلا تطمع في أنْ تحدَّهُ بحدٍ واحد فإنه هَوَس، لأن اسم العقل مشترك يطلق على عدة معانٍ، إذ يطلق على بعض العلوم الضرورية، ويطلق على الغريزة التي يتهيّأ بها الإنسان لدَرْك العلوم النظرية، ويطلق على العلوم المستفادة من التجربة حتى إنْ مَنْ لم تحنّكه التجارب بهذا الاعتبار لا يُسمى عاقلًا .. فإذا اختلفت الاصطلاحات فيجب بالضرورة أن تختلف الحدود" [5] .
(1) الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، المكتبة العلمية، بيروت، 1403 هـ/1983 م، 4/ 85. والماوردي، مصدر سابق، ص 7. والغزالي، مصدر سابق، ص 60.
(2) ابن أبي الدنيا عبد الله بن محمد كتاب العقل وفضله، دار الراية، الرياض، 1409 هـ/1989 م، ص 50، 52.
(3) ابن عبد ربه، أحمد بن محمد: العقد الفريد، دار الكتب العلمية، بيروت، 1404 هـ/1983 م، 2/ 109.
(4) الجويني: البرهان في أصول الفقه، مصدر سابق، 1/ 112.
(5) الغزالي: المستصفى في أصول الفقه، مصدر سابق، ص 20.