الشافعي يرى: أن سبب النزول يخصص اللفظ ولكن لا يقصره على الحالة، إنما يقصره على مثيلاتها من العلة الموجبة لهذا النزول لهذا اللفظ أو لهذا الحديث أو لهذه الآية؛ وهذه مسألة طويلة لا أريد أن أخوض فيها ... في كتب الأصول يجدها طالب العلم مبيَّنة ومشروحة، ولا شك أن كلام الشافعي في هذا الباب متين وجيد، وإن خالفه كثير من أهل العلم في هذا الباب.
نرجع إلى ما بين أيدينا من هذا الأمر وهو: أنه لا يُتصور إجماعٌ بلا نص، وذكر ابن حزم بأن الشافعي قال:"لم أرى إجماعًا بلا نص إلا لمسألة المضاربة والقِراض"وهذه الكلمة -حقيقة- فيها نظر في نسبتها إلى الشافعي، والشافعي أجل من أن يقول هذا الكلام، وربما لم يرى النص بالمعنى الصريح؛ وإن كانت المضاربة والقراض -كما هو معلوم- هي صيغة معاملة في الجاهلية والإسلام .. هي أغلب الصيغة .. فإنما يتحدث ... يعني: النبي صلى الله عليه وسلم شارك أمنا خديجة بالمضاربة والمشاركة .. والعرب يعرفون هذا؛ ولكن ربما الشافعي له في أن التصريح به بلفظ أو بقول من النبي صلى الله عليه وسلم .. ربما بهذا؛ ولكن -ولا شك- أن القراض وارد في الكتاب والسنة، بل هو أحد العقود .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} وهذا عقدٌ من العقود لم يأت نص بتحريمه فيبقى على حله، خلافًا لابن حزم الذي يقول: أن الأصل في الشروط والعقود الحرمة ..
وهذا خلاف كلام جماهير أهل العلم، فإذًا ما الذي يحدث؟ يحدث أن يختلف الناس في شيء في زمن الصحابة مثلًا .. من أسباب هذا الاختلاف: عدم بلوغ النص .. فيبلغ النص .. ذكرنا مثل ذلك مع ابن مسعود في قضية إنكاره -على هذا القول، مع تأجيل الكلام فيه- أن ابن مسعود أنكر المعوذتين!! ... ثبت النص .. فحينئذ انتهى الخلاف؛ ابن عباس كان يرى جواز الصرف .. ربا الفضل!! فجاء النص مبينًا حرمته ... انتهى الأمر .. انتهى الخلاف .. النص هو الذي رفع الخلاف فحصل الإجماع؛ إذًا: النص هو الذي أنشأ الإجماع، وقضى على الخلاف.
المسألة الثانية التي ينبغي النظر فيها في هذا الباب هي: أن العلماء يمنعون في هذه المسألة التي بين أيدينا، إنما يمنعون من أجل المصلحة .. بتقدير وليس بالنص .. يعني: لما رأوا أن الناس يسيرون باتجاه فخالفوهم، ومن ذلك -أنا أمثل من أجل التمثيل، لا من