الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله:
في اللقاء السابق في الأجوبة والأسئلة، كان الحديث عن تصور الإجماع بعد الخلاف، وهل وقع إجماعٌ بعد الخلاف؟ وقلنا: نعم وقع، ومثلنا بأمثلة كثيرة؛ وأحد الأخوة -جزاه الله خيرًا- نبه على أمر مهم وقال: بأن هذا الأمر -وهو وقوع الإجماع بعد الخلاف- هو حجة من يرى عدم جواز الخروج على الحاكم، تحتج به جماعات بأن أهل السنة قد أجمعوا بعد ذلك؛ يقصد: هناك خلاف ذكره ابن حزم في الفصل ... ذكر علماء وصحابة، وذكر تابعين وغيرهم، على أنهم خرجوا -كما في فتنة عبد الرحمن بن الأشعث- على الحاكم الظالم، قال: ثم استقر الإجماع بعد ذلك على عدم جواز الخروج على الحاكم الظالم؛ فقال: هل هذا يعني من نفس الوجه الذي تكلمت عنه فيما أنه إذا وقع الإجماع بعد الخلاف استقر الإجماع ولا يجوز خلافه؟؟
للرد على هذه الشبهة:
أولا: الإجماع مبناه على النص .. لا بد أن نحرر المسألة.
العلماء قرروا بأنه لا وجود لإجماع بلا نص .. لا وجود؛ وذكر هذا الشافعي رحمه الله، وذكر هذا ابن حزم: بأنه لا يتصور الإجماع بلا نص ... بعد ذلك هل تصبح الحجة بالإجماع أم بالنص؟ هذه مسألة أخرى، وفيها خلاف، فالغزالي -مثلًا- في المستصفى يرى: بأن الاحتجاج بالإجماع أولًا ثم بالنص، وهذا كلامٌ سديد؛ ويرى ابن تيمية أن النص يبقى هو الحجة ثم يأتي الإجماع، وهذا كلامٌ سديد، يعني: أنا لا أرى هذا الفارق الكبير بين قول الغزالي وبين قول ابن تيمية، فإن المسألة مبنية فقط على منهج الطرح وليس على العاقبة والنتيجة والنهاية، لكن ولا شك: أن الإجماع يجب احترامه.
هنا مسألة مهمة جدًا: انتشر القول بنفي الإجماع الأصولي على الكلمة التي نسبت إلى الإمام أحمد رحمه الله:"من ادعى الإجماع فقد كذب"، وهذه كلمة تحتاج إلى تحرير وإلى بسط .. ربما نقف منها موقفًا سريعًا .. وسبب هذه الكلمة ينبؤنا عن معناها ... هذه الكلمة"أن سبب الكلمة ينبؤنا عن معناها"هذا شيء مهم .. لا نريد أن ندخل في النص: هل سبب النزول يُقيد المعنى ويخصصه .. هذه مسألة من مسائل الأصول، وهذه ليست هي المسألة التي بين يدي طلبة العلم: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .. ليس هذا.