فهرس الكتاب

الصفحة 515 من 861

حقائق؛ فإذا روجعوا فيه من جهة العقل فقط، ضجوا وسلموا بأن النص هكذا جاء!! وهذا من الضلالات، بمعنى: أن يظن أحد أن شيئًا في الشريعة على خلاف العقل .. ما يقتضيه العقل من روابط وقواعد وأسس.

علماء السنة يقولون: لا يوجد في الشريعة ما يخالف العقل، لكن يوجد فيها ما لا يدركه العقل .. وهنا فرق .. أن يأتي شيء على خلاف العقل، فهذا لا تأتي به الشريعة، لكن أن يأتي شيء فيها لا يدركه العقل بنفسه ويسلم للنص، كما هو شأن الآخرة وما فيها .. «يجلسون على منابر من نور» في العقل: لا يوجد في الدنيا ما يقيس عليه هذا الخبر .. لا يوجد .. كيف يجلس على منبر من نور؟!! الناس يعرفون النور أنه الشيء اللطيف .. مادة لطيفة لا تمس .. لكن النور يوم القيامة يصبح مجلسًا يجلس عليه أولياء الله والمتحابون فيه .. فإذا: تأتي الشريعة بما لا يستطيع المرء أن يدرك سننيته.

فنحن نلاحظ في المتصوفة في تاريخنا -وهم أشبه الناس بالروافض- أنهم يلغون العقل، وبالتالي: نرى الفقيه الصوفي إذا تكلم في الفقه أبدع، وإذا تكلم في باب التصوف والسلوك والعبادات في مسائل التصوف .. نراه يشط؛ ورحم الله ابن العربي المعافري عندما قال عن شيخه الغزالي: أنه دخل في جوف الفلاسفة ولم يستطع الخروج!! وأنكر عليه أنه لما رآه في بداية الأمر فقيهًا عالمًا، ورآه أصوليًا جهبذا، ولما رآه قد تصوف وخلع عنه زي الناس واعتزل، فرآه شيئًا غريبًا لا يمت إلى ما يعرفه من قواعد الأصول أو قواعد الفقه بشيء!! وهذا -للأسف- شيء نلحظه. هذا واحد.

الشيء الآخر: نرى تمازجًا عجيبًا بين الفلسفة والتصوف -حين يكون التصوف إشراقيًا- يعني: نرى ابن سينا -هذا الملحد، الذي كان على مذهب الإسماعيلية، وكان أبوه قرمطيا، وهو من الملحدين .. يعني: ليس من أتباع الشريعة في شيء- نراه متصوفًا ويتكلم عن المدرسة الإشراقية!! وبين الفلسفة و الإشراق تعارض شديد: فالإشراق هو: الوصول إلى المعرفة عن طريق الجذبة والذوق والكشف .. هذه هي المدرسة الإشراقية .. مدرسة العرفان .. من ذاق عرف، ومن عرف غرف .. هو يحس بالأشياء التي نؤمن بها ويحس بالغيب؛ والفلسفة هي: الوصول إلى المعرفة عن طريق التفكر الذاتي، بعيدًا عن الوحي، وبعيدًا عن المؤثرات الأخرى غير العقل؛ ومع ذلك: نرى أن الفلاسفة في تاريخنا يمتون إلى المدرسة الإشراقية بصلة كبيرة، فكيف يجتمع هذا مع هذا؟!! هذا شيءٌ عجيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت