فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 861

الربوبية، {والأمر} : وهذه الألوهية.

والإله هو الذي يأمر، فإذا وصفنا أحدا بأن له حق إصدار الأمر استقلالًا؛ فهو السيد المطاع كما فسر ابن عباس- رضي الله عنهما- {قل هو الله أحد} قال:"والسيد المطاع". والسيد هو الذي لا يُرد له أمر، والمطاع هو الذي لا يرد له أمر؛ حينئذ فهمنا أن البرلمان هو السيد -أي الإله-، وأن الانتخابات معناها هو انتخاب السيد، أي معناها هو انتخاب الإله.

فهذه الصورة كما يفهمها أبناؤها وكما يعرفها أصحابها، وليس كما يصورها البعض أنها تحقيق مصلحة أو ما أشبه ذلك، أو أنها انتخاب الحاكم الذي يحكم بالشريعة أمام مختلفين على برامج تطبيقية. ... فالبرلمان هو هيئة تشريعية وهيئة مراقبة، وله سلطات أخرى، ففي بعض النظم؛ الأغلبية هي التي من حقها أن يكون منها الوزراء ويكون منها السلطة التنفيذية.

وهذه القضايا تابعة للقضية الأولى، أي حق التشريع، ومن هم الذين لهم حق إصدار التشريع.

فإذًا؛ الانتخاب ما هو؟

الانتخاب معناه أنني أنا قد رضيت هذا ممثلا لي في التعبير عن إرادتي في تسمية الشيء حلالا أو حراما في التشريع، وهذا -كما هو بيّن- مضادة لقول لا إله إلا الله، ومضاد لإرادة المسلم الذي يقول: أنا أدين لله -عز وجل- بالعبودية، أي لا أقبل أحدا في هذا الباب [1] -أي لا أقبل مشرعا إلا الله-، ولا أقبل حاكما إلا الله -والحكم هنا ليس بمعنى التنفيذ ولكن بمعنى إعطاء حق الأمر- إلا الله، وهي التي يسميها بعض المعاصرين بالحاكمية -وهي تسمية صحيحه-.

إذًا لماذا ينازعون في هذه المسألة [2] ، ومن أيّ باب، وهل نحن الآن نتكلم عن قضية جواز نصرة الكافر، أو عن مسألة جواز القتال تحت راية الكافر ضد كافر آخر؟ لماذا هذه الحيدة عن وجه المسألة؟

المسألة التي بين أيدينا هي أن الإنسان يختار إلهه وسيده (مشرعه) ، ومن يرى جواز إدخال المصلحة في هذا الباب فقد أتى بشيء عظيم في دين الله -عز وجل-؛ فإن ضرورة الدين مقدمة على أي ضرورة كما هو مجمع عليه، ولا يقدم على ضرورة الدين شيء -كما قال الشاطبي رحمه الله- [3] .

(1) - أي باب التشريع، فالمسلم لا يقبل بغير الله مشرعا. وقرر شيخنا في دورة الإيمان أن مطلق التشريع كفر أكبر، وهذا قول الشاطبي كذلك في (الاعتصام) .

(2) - أي مسألة الانتخابات.

(3) - قال الشاطبي في الموافقات:"فقد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي: الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وعلمها عند الأمة كالضروري، ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه، بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد"، وقال ابن أمير الحاج في كتابه (شرح التقرير والتحبير) :"ويقدم حفظ الدين من الضروريات على ما عداه عند المعارضة لأنه المقصود الأعظم، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} الذاريات:56، وغيره مقصود من أجله، ولأن ثمرته أكمل الثمرات وهي نيل السعادة الأبدية في جوار ربّ العالمين"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت