فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 861

وإلى يومنا هذا ما زال يستخدم"الجهل"بهذا المعنى في لغة العوام، مثلا: إذا أراد أحد أن يذم أحدا لايمتثل للصواب الذي يخاطب به، ولا ينتهي عن الخطأ الذي ينهى عنه، يقال: رجل جاهل، أو فتى جاهل .. هذا جاهل. ولا يقصدون به عدم المعرفة، ولكن يقصدون به عدم التقيد بهذه المعرفة إن كانت أمرًا ونهيًا.

ولذلك، العقل من الربط، ويسمى العقال، فالأصل: العقل هو الربط، ولذلك تسمى المرأة عاقلة أو عقيلة فلان، لأنها محبوسة عليه .. فتمدح هذه المرأة فيقال:"عقيلة فلان"أي: محبوسة عليه وليست لكل أحد.

وتسمى الدية: العاقلة، لماذا؟ لأنهم كانوا قديما إذا جاؤوا بإبل الدية ربطوها بباب بيت القتيل، فسميت عاقلة لأنها عقلت، أي: ربطت .. وعقل الشيء أي: ربطه.

فالعقل في مرتبته الثانية -وهي المطلوبة بالنسبة للبشر- هو أن يمتثل المرء ما وجه إليه من خطاب ... أولا يوجه إليه الخطاب فيعقله، ثم بعد أن يعقله، أي: يفهم مراد المخاطب، يتوجه إلى الامتثال.

وهذا العقل يربط المرء من السفاهة .. وقد أكثر القرآن من وصف خصومه بالسفهاء .. {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} .. {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِ‍يمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} .. هؤلاء خوطبوا فأدركوا المراد، ثم خالفوه فكانوا سفهاء.

إذًا: اللفظ العقلي لفظ مشترك كما نرى .. يطلق على أساس التكليف والذي يتم به إدراك الخطاب، ثم يأتي إلى الوصف اللغوي للعقل، وهو أن يربط المرء عن اقتراف ما نهي عنه، وإتيان ما أمر به. فهذا هو العقل.

ولذلك قال القرآن: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ} أولًا السماع، ثم {أَوْ نَعْقِلُ} هنا العقل المدحي: الذي به يتم وصف من امتثل الأمر فانتهى عن مخالفته، وكذلك من ابتعد عن النهي فأتى أمر الله - عز وجل - بالانتهاء والازدجار .. فهذا هو الجواب عن موضوع العقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت