هذا .. الوجود الآن فيه من يعبد الله عز وجل .. فيه من يطيع الله عز وجل، فهذا مرضي عنه؛ وفي نفس الوقت: نجد من يعصي فيغضب عليه .. هذا لا يُتصوّر -بهذا المعنى وهذا الاتساع- في كل أحد في الوجود في البشر .. نحن نرى الأب -مثلًا- في البشر رضي عن ابن له رضًا فهو حتى يرضى عن البقية ويكون فرحًا عندها من الجميع؛ فإذا غضب على أحد غضب على الجميع .. هذا في البشر .. لا يُتصور فيهم غير ذلك، لضعفهم وعجزهم؛ وأما ربنا سبحانه وتعالى ففوق ذلك ولا يُقال عنه هذا.
فإذًا القرآن على جهتين: الجهة الأولى: جهة العلم، فهذه يقولها ربنا سبحانه وتعالى لِيُعلّم الناس، ولا يدخل فيها لا الغضب ولا الرضا؛ لكنني حين قلت: بأن كلامه يدلّ على نفسه، يعني: على علمه .. يدل على المعاني التي تنشأ .. يعني: القرآن يدلّنا على أن الله يغضب فعلينا ألا نغضبه .. القرآن يدلّنا على أن الله يفرح ويعجب -كما في الحديث- فعلينا أن نفرحه وأن نبحث عن موجبات الفرح .. والله عز وجل سميع فهكذا؛ فالقرآن يدلّنا على نفس الله .. من هو الله.
ويعجبني ما في رسالة القشيري -فيما أظن- أنه سأل أحدهم لماذا ندعو الله عز وجل ولا يستجيب لنا؟؟! قال: لأنكم لا تعرفونه.
فالأصل هو أن نعرف الله، {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} ، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} .. فهذا القرآن يدلّنا على الله .. يعرّفنا من هو الله .. ليس في لحظة من اللحظات وليس في وقت من الأوقات ولكن يدلّنا على صفات الله عز وجل التي تقوم فيه، وماذا يحب، وماذا يكره، وعلى ماذا يعذّب، وعلى ماذا يجزي جزاء العطاء والكرم والجود. فهذا هو المقصود.
فإذًا هذا السؤال منشأه: أننا نظرنا إلى أن الرجل يتكلّم بكلمة الغضب فتدلّنا على مقدار ظلمه، وأنه إذا غضب -مثلًا- هذا الرجل فلا تقفوا أمامه فإنه لا يدري من يحب ومن يكره لأن غضبه شديد؛ ونعلم أن فلانًا من الناس إذا فرح تاه فرحه وزاد حتى أعماه عن رؤية أعدائه .. وهذا لا يقال في حق الله، لكننا نعلم أن الله إذا غضب ماذا يفعل .. أنه إذا غضب أنه صبر .. وإذا غضب أنه عذّب .. وأنه إذا غضب لم يمنعه هذا الغضب من أن يرضى وأن