له لا بالرضا ولا بالغضب .. لا تعلق له .. العلم يُجرّد .. العلم في كونه حقًا يُجرّد عن حالة الغضب وحالة الرضا.
وإذا أرجعنا القاعدة التي تكلَّمنا عنها: أن الله عز وجل إذا غضب لا يقول إلا حقًا وإذا فرح لا يقول إلا حقًا، فإنه يدلّ على أنه يخبر علمًا حقًا {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} فكلام الله عز وجل هو الصدق، وكلام الله هو العدل بإطلاق.
فحين نقول: بأن الله عز وجل تكلَّم هذه الكلمة في القرآن سننظر إليها من جهتين:
الجهة الأولى: أن هذه الكلمة تكلَّمها على قومٍ ما وهو غضبان، كما أخبرنا أنه أمر السماء بأن تمطر والأرض أن تُفجّر الأنهار وتُفجّر الماء وتهلك قوم نوح .. هذه الكلمات الربانية التي أمر بها أمرًا كونيًا لهذه المخلوقات كانت وهو غضبان على قوم نوح، لكن هذا الغضب لم يطغى، ولذلك -على الصواب والصحيح-: فإن الله عذّب قوم نوح ولم يعذب الأرض جميعًا كما تقرّر التوراة .. هذا خطأ، لا يوجد في القرآن ما يدل أبدًا على أن الله أهلك الأرض جميعًا عندما أهلك قوم نوح .. هذا مأخوذ من التوراة فقط أن الله عز وجل لما غضب على قوم نوح أهلك الأرض جميعًا، وسرت هذه العقيدة في اليهود ثم سرت في النصارى، أن الذنب يسري من الأب إلى الابن وفي الأجيال وهكذا وربما أجيال متعددة، بل ذكرت أظن في التوراة في كتابهم أنها تسري في خمسة أجيال، وهذا باطل .. الله عز وجل لا يعذب نفسًا إلا بما كسبت .. فلماذا عذّب قوم نوح بالطوفان؟؟
الصواب عندي: أن نوح عليه السلام وقومه كانوا يسكنون الجزر، ولذلك التجأ نوح عليه السلام -لما كانت الهلكة بالطوفان عليهم- لجأ إلى السفينة لأنه يعيش على الجزر، ولذلك لما هدَّدَه قومه {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} ولم يهدّدوه بالطرد، لأنها جزيرة .. فأين يطردونه؟!! بخلاف تهديد قوم لوط للوط عليه السلام عندما قالوا: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ} لأن قوم لوط لم يكونوا في جزيرة.
فالصواب: أن الله أهلك قوم نوح فقط ولم يهلك الأرض جميعًا، وهذا الذي نعلمه وهو حق بأنه بنى السفينة ثم ألجأ إليها وأدخل إليها من كل زوجين اثنين .. هذا بسبب أنهم في جزيرة، ولم يهلك الأرض جميعًا كما تقول التوراة.
القصد من هذا: لأدلل على أنه إذا رضي الله عز وجل يرضى على من يستحق الرضى، وفي نفس الوقت يكون غضبانًا على من يستحق الغضب في نفس الحالة .. ونحن نرى