علاه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، وربنا سبحانه وتعالى يغضب غضبًا على من يستحقّ الغضب ويفرح فرحًا على من يستحق الفرح؛ ولذلك لا نتصوّر -ولا يجوز لنا أن نتصوّر- أنه إذا غضب ربنا سبحانه وتعالى تكلَّم كلامًا في القرآن وهو في هذه الحالة من الغضب على فلان! أو إذا فرح تكلّم كلامًا فرحًا على هذا العبد الذي فرح منه.
نعم، نحن نعلم من أخبار القرآن أن الله عز وجل غضب على قوم نوح فعذّبهم، وهذا الغضب في حقّ ربنا سبحانه وتعالى ليس كالغضب في حقّنا، فالغضب في نفس ربّنا مقيّد بالحكمة ومقيّد بالصبر .. كم يغضبونه في هذا الوقت؟!! يسبّون الله عز وجل ويغضبونه، ويصبر عليهم ويطعمهم؛ وهذا لا يُرى في الإنسان على هذا المعنى من الاتساع، وعلى هذا المعنى من الإطلاق.
فالله عز وجل لما غضب على قوم نوح -غضب عليهم لما عصوا الرسل- وصبر عليهم هذه المدة الطويلة حتى عذَّبهم، فلما عذَّبهم كان غاضبًا عليهم، فأخبرنا سبحانه وتعالى في القرآن إخبارً مجرّدًا عن هذه اللحظة أنه لما غضب عذَّب.
وأخبرنا سبحانه وتعالى أنه لما رضي عن أقوام، كما رضي عن يونس وهو في البطن الحوت يدعوه ويقول: {لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} أخبرنا أنه رضي عنه فأنجاه من النون.
فهذا الذي نفهمه في مسألة الغضب والفرح .. فلذلك نحن نقول: إنه ربما يخرج من المرء كلمات لحظة الغضب يندم عليها لحظة رضى أو بعد ذهاب الغضب، وهذا لا يتصوّر في حقّ الله، بل إننا نمنعه في حقّ النبي صلى الله عليه وسلم .. لما عوتب عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما على أنه يكتب كل ما يسمع وفي كل لحظات حالات النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتكلَّم .. فعابته قريشٌ أنه يكتب عنه لحظة الغضب والرضا، فقال: «اكتب، فإني لا أقول إلا حقًا» يعني: في لحظة الغضب لا يخرج عن الحق، وفي لحظة الرضا لا يخرج عن الحق، فرحه لا ينشيه حتى يتيه عقله، وغضبه لا يزيد حتى يفسد عليه حكمه وعدله ورحمته. وهذا هو الذي نفهمه.
هنا القرآن هو علم الله وكلامه، ولكن القرآن هو العلم، مع أن الله تكلَّم بهذا العلم .. ليس هو عين العلم ولكنه علم الله عز وجل الذي تكلّم به كلامًا في العلم .. والعلم لا تعلّق