الصفحة 48 من 56

ويؤيد ذلك ما جاء في كتاب الله العزيز حكاية عن ملكة سبأ عندما تلقت رسالة سيدنا سليمان عليه السلام {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) } [1] فإن الملكه لم تقبل بالإرسال إلا بعد معرفة مصدره وأنه من"سليمان"وإنه كريم أي مختوم بختم مرسله [2] ، ولكن راودها ريب في أهلية المرسلِ لما أرسل به هل هو نبي أم ملك فأرادت أن تتحرى عن حقيقة ذلك على ضوء ما توفر لديها من معلومات، فقال الله تعالى حكاية عنها {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) } [3] أي يرجعون به رسلي المرسلون بالهدية من قبول أو رد فعاملة يقتضيه ذلك. [4]

ومما سبق يتضح لنا أن مصدر الإرسال لا بد أن يبين نفسه لكي يقوم إرساله مقام لفظه، ويؤخذ به وهو معتاد عليه الناس في كل عصر ومصر.

جاء في المبسوط:"إن كتب رجل كتابًا إلى رجل من فلان إلى فلان أما بعد ... للعادة الظاهرة بين الناس أنهم يكتبون الرسائل بهذه الصيغة لإظهار الحق وإعلام ما عليه من الواجب، فإذا ترجح هذا الجانب بدليل العرف حمل الكتاب بمنزلة لفظ يترجح فيه معنى بدليل العرف". [5]

فتبين أن الإرسال يكون بمثابة اللفظ الصادر من صاحبه إذا أرسل بما جرت عليه عادة الناس وذلك ببيان مصدر الإرسال والمرسل إليه، ومثل هذا جاء في مجمع الأنهر: إذ إن المكتوب لا يؤخذ به إلا إذا كان مستبينًا مرسومًا

(1) سورة النمل آية 29 ـ 30.

(2) انظر: فتح القدير (للشوكاني) 4/ 137.

(3) سورة النمل آية 35

(4) انظر: فتح القدير (للشوكاني) 4/ 134.

(5) المبسوط 9/ 20 ... ، 18/ 172 ـ 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت