لِيَعْبُدُون [الذاريات:56] ، قال المفسرون: أي ليوحدوني وحدي.
وقد تظنون أيها القضاة أن العبادة إنما هي الصلاة والصيام والزكاة فقط، فتقولون: نحن نعبد الله، وهل ترانا نعبد غيره؟! فنصلي ونسجد ونصوم ونذبح لله!، فأقول لكم: إن العبادة ليست كما تفهمونها بهذا الفهم الضيق، بل هي أوسع واشمل مما تظنون، فكلمة التوحيد التي خلق الله من اجلها الخلق وأرسل الرسل وانزلت عليهم الكتب هي:"لا إله إلا الله".
وتنقسم إلى شقين:
شق النفي؛ وهو"لا إله"أي لا معبود بحق سوى الله، فتنفي الإلوهية عن غير الله، فلا يعبد غيره في صيام ولا صلاة ولا حج ولا تشريع.
والشق الآخر، الإثبات؛ وهو:"إلا الله"أي إثبات الإلوهية لله وحده، فلا يطاع غيره في كل كبيرة وصغيرة.
فجاءت هذه الكلمة العظيمة -كلمة التوحيد- التي لا ينجو العبد من النار إلا بتحقيقها وبالإتيان بشروطها ومقتضياتها، فقول الله عز وجل: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا} [البقرة:256] جاءت مفسرة لهذه الكلمة العظيمة، فقوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} [البقرة:256] اي ينفي الإلوهية والعبودية عن غير الله، وقوله: {يُؤْمِن بِاللّهِ} [البقرة:256] إقرار وإثبات لعبودية الله وحده.
وقد ضمن الله لمن آمن به وحده وكفر بالطاغوت بأنه المتمسك بالعروة الوثقى، تلك العروة التي لا نجاة إلا بالتشبث بها، فالصلاة عروة والزكاة عروة والحج عروة وأعمال البر عرى كلها، ولكن من تمسك بأي عروة من هذه العرى ولم يستمسك بعروة التوحيد، لا شك أنها تنفصم ولن تنفعه عند الله، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا}