وتتخذ بعض الدول هذا العنف المصنع، وسيلة للتعاطي السياسي، إما لتسويغ عنف الدولة الذي تلجأ إليه لإحداث توازن قوى في اللعبة السياسية، أو لتصفية حسابات، أو تصفية أحزاب منافسة، أو معارضة سياسية، أو التلويح بالعصا لفتح الطريق لتمرير تغييرات ثقافية، أو صفقات دولية سياسية، خارجية أو داخلية، تدر مكاسب شخصية، أو ربما تكون تلك الصفقات مفروضة بضغوط خارجية، أو لإثبات هيبة النظام، أو لصرف الأنظار عن لعبة سياسية أخرى.
أما مجموعات العنف المصنّعة فإنها يتم التخلص منها بعد التضحية بها كما تحرق الأوراق في اللعبة السياسية.
ومن الأمثلة على العنف المصنّع، فكر التكفير والهجرة، الذي نشأ في سجون الثورة، والتي سمح بعد مدة، بإعلان ما كان يجري في غياهبها من انحطاط إنساني لا مثيل له في وسائل التعذيب.
وقد تكون لدى تلك المجموعة في ظلمات ثلاث ـ الزنزانة والنفس العقل ــ اعتقاد راسخ أن الدولة كافرة، إذ لايمكن أن يسمح بمثل هذا الجرائم الإنسانية في التعذيب من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، والمجتمع الذي تحكمه الدول الكافرة ويرضى بحكمها مجتمع جاهلي كافر أيضا، وعليه فإنه يجب أن نتعامل مع هذا المجتمع برمته، كما تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الجاهلية الأولى ونظامها تماما، سواء بسواء.
وذلك عبر خطوتين: الأولى بيان حكم المجتمع الجاهلي، وذلك بالصدع بتكفيره جملة، كما أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) ومن هنا أطلق عليهم جماعة التكفير.
والثانية: الهجرة من المجتمع الكافر، لتكوين المجتمع المسلم خارجه، ثم الانقضاض على مجتمع الجاهلية بالعنف المسلّح، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكون المجتمع المسلم، ثم جاهد أهل مكة حتى فتحها، ومن هنا أطلق عليهم جماعة التكفير والهجرة.
وقد تكون الهجرة حسية أو شعورية ـ حسب اعتقادهم ـ بمعنى أن يجتمع المؤمنون بهذه العقيدة في هيئة مجتمع مصغر لا يعترف بغير نظامه الداخلي الخاص جاعلا كل ما سواه جاهلية عمياء، حتى إن أمير الجماعة يحكم على المرأة بتطليقها من زوجها الذي لاينتمي إلى (جماعة المسلمين) وهي جماعتهم فقط، ويزوجها إلى رجل آخر من المسلمين، أي جماعتهم.
وقد وظّفت هذه الجماعة الضالّة نصوص القرآن والسنة التي نزلت في الإسلام والإيمان مقابل الكفر والجاهلية، ثم الهجرة والجهاد، وظّفتها لمنظورها العقدي المنحرف أسوء توظيف.
والحق الذي لا ريب فيه إن المجتمعات الإسلامية ليست مجتمعات كافرة، إذ كان فيها من مظاهر الإسلام الشيء الكثير بحمد الله تعالى، لكنها مخلوطة بآثار الغزو الأجنبي على أمتنا، وليست الآمة الإسلامية اليوم كما كانت الجاهلية الأولى، وإنما خالطها كثير من الجاهليّة المعاصرة، فنحن بحاجة إلى ترميم الأمة وتجديدها، وليس إيجادها من جديد، والفرق بين الأمرين كبير جدا، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم (يبعث الله على راس كل قرن من يجدد لهذه الأمة دينها) ولفظ التجديد يشعر بسلامة الأصل والأساس والأركان، غير أنها بحاجة إلى تجديد وبعث، وهكذا فشعوبنا لازال فيها إسلام وخير كثير، لكنها بحاجة إلى من يجدد لها دينها.