كما لا يخرج المسلم من الإسلام ـ عند المرجئة ـ تركه كل اتباع الرسول بجوراحه وراءه ظهريّا، والعولمة الثقافية كذلك تدعو إلى أن يدع المسلمون دولا وأفرادا، حكاما ومحكومين عملهم بمعتقداتهم، وألاّ ينهجوا في حياتهم كلها وفق عقيدتهم وشريعتهم كما أمر الله تعالى في القرآن (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) وقال (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) .
فهذا تشابه آخر، فلا جرم إذن تساوقت ظاهرة الإرجاء ذلك الفكر الفلسفي القديم في تاريخ الفرق الإسلامية في العصور الأولى، مع الدعوة إلى العولمة.
وهذا كله يصدق قول القائلين: إن أفكار الفرق الضالة إنما يستحث ابتداعها، وقوع الأمّة تحت تأثير فكريّ لغزو خارجيّ، أو اضطرابات سياسيّة، أو اجتماعية تمر بها، فتظهر هذه الآراء الضالة كالدمامل في الجسد المريض حينا من الدهر، ولهذا فهي ليست ثابتة على أساس علمي راسخ.
بينما بقيت الأصول التي أجمع عليها السلف الصالح بحالها، لم يؤثر فيها تقلب أحوال الأمة بين الضعف والقوّة على مرّ القرون، لأنها مبنيّة على الكتاب والسنّة، وقد تمثّل ذلك في خط أهل السنة والجماعة الذين ورد فيهم الحديث (لا تزال طائفة من أمّتي على الحقّ لا يضرّهم من خالفهم إلى يوم القيامة) .
وقد رسم علماء أهل السنة والجماعة، معالم واضحة، للحد الفاصل بين الإيمان والكفر، وأشهروا سيف سلطان الشريعة بالتكفير بالحق على المرتدين، وأعملوا في رقابهم سيف سلطان الزمان الحاكم بالشريعة، فأقاموا للإسلام مهابته، وحموه من عبث العابثين، وهزؤ المستهزئين، وسخرية الساخرين.
وهذا هو التكفير بحق الذي أمر الله به ورسوله، ولا قيام للإيمان إلا به، فمن لم يكفر من كفرهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، عاد ذلك إلى إيمانه بالنقض، لأنه أبان بعدم تكفيره لمن حكم الله بكفرهم، انه لم يعرف حقيقة الإسلام القائمة على الفصم القاطع بين التوحيد والشرك، وأن الخلط بينهما أعظم نقض للإسلام نفسه.
أما التكفير بغير حق، فهو الذي لا يقوم على أدلة الكتاب والسنة، وهو نتاج الغلو الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا (إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك الذين من قبلكم الغلو في الدين) .
والجنوح إلى العنف ـ بغير حق ـ ظاهرة بشرية متشعّبة ومعقّدة، وبواعثها يصعب عدّها وحدّها، فقد تكون اقتصاديّة تارة، واجتماعيّة تارة، وسياسيّة تارة، ونفسيّة تارة، أو مركبّة من هذا كلّه أو بعضه.
ومنها القيم الثقافيّة الضالّة، سواء العلمانيّة ـ بالمفهوم الواسع للعلمانيّة الذي يشمل كل فكر لا يلتزم بدين كالفكر الماركسي الثوري على سبيل المثال ـ وتلك المنتسبة إلا الإسلام، التي اتخذت تكفير المجتمعات الإسلامية بالعموم، والعنف حلا ّوحيدا ومطلقا لتحقيق أهدافها.
والعنف أنواع، فمنه عنف القوى الكبرى، وهو أشده ظلما، وأعظمه فسادا في الأرض، ومنه عنف الدولة على مواطنيها، عنفها على نفوسهم، وأرزاقهم، ودماءهم، وأعراضهم، مما لا تكاد تخلو منه دول الشرق الأوسط، ومنه عنف المنظمات، وعنف الأفراد.
ومن تلك الصور: العنف المصنع، وهو ذلك العنف الذي يتم تصنيعه في المعتقلات، عبر منظومة من المستحثات الفكرية، والنفسية، التي تولد مجموعات يغرس فيها خيار العنف، كحل أخير، ويائس، تتشبع به عند بلوغ قاع المهانة، والشعور بالظلم الاجتماعي، والسياسي، في أثناء جرعات التعذيب المنظَّم، الذي يصاحبه الإذلال الديني، أو القومي أو الإثني أو العرقي ... الخ.