أقول: لا يصح أن ننسب الغلوّ إلى الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث بالحنيفية السمحة والله عزوجل يقول {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا} [البقرة: 143] فالدين الإسلامي دين وسط ليس فيه غلو ولا تمييع أو بمعنى آخر ليس فيه إفراط ولا تفريط، لكن لو قال الإخوة القائمون على المجلة (بين غلو المسلمين) لصح التعبير؛ لأن الغلو يحصل من الأفراد ولا يصح نسبته إلى الإسلام، إذ الإسلام منه براء ولا يقره.
الوقفة الثانية:
قال الشيخ عبدالعزيز الدبعي: (ورغم تزايد عدد المسلمين وقوة شوكتهم ببيعة العقبة الثانية والمبايعون من الأوس والخزرج يعرضون برغبة جامحة في أن يميلوا على المشركين في منى ميلة واحدة فيأبى الرسول القائد هذا العرض ويرى أن الوقت لم يحن لأي عمل عسكري يعكر مسيرة الدعوة ويغبش الرؤية الصافية ... ) ثم ذكر بعد ذلك بعض السلبيات المتوقعة إن جرت هذه الميلة.
أقول: لعمر الله إن هذا العرض يدل على الشجاعة التي تضاءلت لها فرسان الأمم والهمة التي تنازلت لها أعالي الهمم فرضوان الله عليهم أبدًا ما شُهر بارق وقُهر مارق.
أما قول الشيخ: (فيأبى الرسول القائد هذا العرض ويرى ... ) .
فهذا خطأ بيّن، إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يشرع باجتهاده وإنما بأمر الله عزوجل، والله عزوجل لم يأذن لهم في القتال بل نهاهم عنه فقال {كفوا أيديكم} [النساء: 77] فلو قاتلوا في ذلك الحين لكانوا مخافين لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد كان من شروط بيعة العقبة: السمع والطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم في المنشط والمكره، وحاشا الصحابة رضوان الله عليهم أن يتعمدوا مخالفة أمر الله ورسوله! بل قد بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم سبب رد هذا العرض فقال: (( ما أمرت القتال ) )ولم يقل: أرى أن المصلحة تقتضي عدم القتال أو أن هذه الميلة ستجر لنا الويلات .. الخ، من الاحتمالات التي وضعها الناس في هذا الزمن حتى يبرروا موقفهم المخزي أمام هذا الواقع الأليم، ولكن سلواننا قول الله: {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} [النساء: 74] وقوله عزوجل: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على