وقد تقدّم قول الإمام أبي حنيفة: (إذا جاء عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - نختار من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم) .
وقوله: (فإذا ما انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبيّ وابن سيرين والحسن وعطاءٍ ... وسعيد بن المسيّب وعدّد رجالًا فقومٌ اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا) [1] [2] .
وقال الإمام أحمد: (إذا جاء الشيء عن الرجل من التابعين لا يوجد فيه شيءٌ عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لا يلزم الأخذ به) [3] .
ونصّ بعض أهل العلم على الفرق بين قول أفرادهم ونقل إجماعهم.
قال النوويّ: (أما إذا قال التابعيّ قولًا لم ينتشرْ فليس بحجّةٍ بلا خلافٍ، وإن انتشر وخُولِف فليس بحجّةٍ بلا خلافٍ، وإن انتشر ولم يخالَف فظاهر كلام جماهير أصحابنا أن حكمه حكم قول الصحابيّ المنتشر من غير مخالفةٍ [4] ، وحكى بعض أصحابنا فيه وجهين: أصحّهما: هذا، والثاني: ليس بحجّةٍ، قال صاحب الشامل من أصحابنا [5] : الصحيح أنه
(1) انظر: ص 50.
(2) ذكر الخصّاف أنه رُوِي عن أبي حنيفة في تقليد التابعين روايتان:
الأولى: أنه قال: (لا أُقلّدهم، هم رجالٌ اجتهدوا ونحن رجالٌ نجتهد) .
والثانية: أنه قال: (من كان من أئمّة التابعين وأفتى في زمن الصحابة وزاحمهم في الفتوى وسوّغوا له الاجتهاد فأنا أُقلّده، مثل شريحٍ والحسن ومسروق بن الأجدع وعلقمة) .
وقال في الرواية الأولى: (وهو الظاهر من المذهب) . انظر: شرح أدب القاضي 1/ 186 - 187.
فالرواية الأولى هي معنى ما تقدّم من أقواله، والثانية لا تُنافيها؛ لأنها أخصّ. ويحمل كلامه في عدم تقليدهم على حال الاختلاف.
(3) المسوّدة في أصول الفقه 2/ 620: عزاه إلى رواية المرّوذيّ. وفي موضعٍ آخر 2/ 659: عزاه إلى رواية أبي داود. وقد تقدّم قوله: (الاتّباع أن يتّبع الرجل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه، ثم هو بعدُ في التابعين مخيّرٌ) . ص 56.
(4) لأنه من الإجماع السكوتيّ، وأنه حُجّةٌ عند جماهير العلماء. انظر ص 48.
(5) عبدالسيّد بن محمّد بن عبدالواحد بن أحمد بن جعفرٍ، أبو نصرٍ ابنُ الصبّاغ، صاحب الشامل والكامل وعُدّة العالم والطريق السالم وكفاية السائل والفتاوى، ولد سنة أربعِمائةٍ، وتفقّه على القاضي أبي الطيّب، وتوفّي سنة سبعٍ وسبعين وأربعِمائةٍ. طبقات الشافعيّة الكبرى 5/ 122، سير أعلام النبلاء 18/ 464.