فمنها ما هو متّفقٌ على الاحتجاج به [1] ، وهو: الكتاب والسنّة والإجماع والقياس [2] ، وهي راجعةٌ إلى أصلٍ واحدٍ وهو الكتاب والسنّة [3] ، ومنها ما هو مختلَفٌ فيه [4] ، ومنه: قول الصحابيّ [5] .
وقول الصحابيّ ينقسم إلى أربعة أقسامٍ [6] :
الأوّل: قول الصحابيّ فيما لا مجال للرأي فيه [7] . فهذا من قبيل المرفوع حُكمًا [8] .
(1) وفي الاحتجاج بالإجماع والقياس خلافٌ ضعيفٌ. انظر: روضة الناظر 2/ 441، 3/ 806.
(2) الإجماع في الاصطلاح هو: اتّفاق مجتهدي أُمّة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته في حادثةٍ على أمرٍ من الأمور في عصرٍ من الأعصار.
والقياس هو: مساواة فرعٍ لأصلٍ في علّة الحكم، أو زيادته عليه في المعنى المعتبر في الحكم. انظر: البحر المحيط 4/ 436، 5/ 7.
(3) كما قال الشافعيّ: وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السنّة أو الإجماع أو القياس. وقال: وأنه لا يلزم قولٌ بكل حالٍ إلا بكتاب الله، أو سنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن ما سواهما تبعٌ لهما. الرسالة ... ص 39، الأمّ 7/ 287.
(4) أُفرِدتْ لها دراسةٌ علميّةٌ بعنوان: أثر الأدلّة المختلَف فيها في الفقه الإسلاميّ، للدكتور: مصطفى ديب البغا.
(5) والمراد بقول الصحابيّ: ما ثبت عن أحدٍ من الصحابة - ولم تكنْ فيه مخالفةٌ صريحةٌ لدليلٍ شرعيٍّ - من رأيٍ أو فتوى أو فعلٍ أو عملٍ اجتهاديٍّ في أمرٍ من أمور الدين. أو: ما نُقِل عمّن صحب النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - من قولٍ لم يرفعه إليه ولم يكنْ له حكم الرفع. انظر: حجّيّة قول الصحابيّ عند السلف ص 35، الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة 34/ 81 - 82.
(6) معالم أصول الفقه ص 222 - 223، أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله ص 185 - 186، مذكّرة أصول الفقه ص 256 - 257.
وذكر بعض العلماء قسمين آخرين:
أحدهما: قول الصحابيّ الذي رجع عنه، وهذا داخلٌ في القسم الثالث.
والآخر: قول الصحابيّ الذي اطّلع عليه غيره من الصحابة ولم يُعلَم انتشاره بينهم جميعًا، وهذا قريبٌ من القسم الرابع.
(7) المراد بذلك: الإخبار عن الأمور الماضية مِن بَدْءِ الخلق وأخبار الأنبياء، أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة، وكذا الإخبار عما يَحْصل بفعله ثوابٌ مخصوصٌ أو عقابٌ مخصوصٌ. نزهة النظر ص 107.
(8) انظر: شرح التبصرة 1/ 139 - 140، فتح المغيث 1/ 224 وما بعدها.
ويشهد لذلك حديث أبي هُريرة - رضي الله عنه - عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( فُقِدَتْ أُمَةٌ من بني إسرائيل لا يُدرى ما فعلتْ، وإني لا أُراها إلا الفأر؛ إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربْ، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربتْ ) )، فحدّثتُ كعبًا، فقال: أنت سمعتَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقوله؟ قلت: نعم، قال لي مرارًا، فقلتُ: أفأقرأ التوراة؟! متّفقٌ عليه، واللفظ للبخاريّ. انظر: صحيح البخاريّ، كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شعف الجبال، 2/ 129، ح 3305. صحيح مسلمٍ، كتاب الزهد والرقائق، باب في الفأر وأنه مسخ، 4/ 1814 - 1815 ح 2997.
واشترط ابن حجرٍ أن يكون الصحابيّ ممن لم يأخذْ عن الإسرائيليّات. انظر: نزهة النظر ص 106. واعترض السخاويّ على ذلك فقال: (وفي ذلك نظرٌ؛ فإنه يَبعُد أن الصحابيّ المتّصف بالأخذ عن أهل الكتاب يُسَوِّغ حكايةَ شيءٍ من الأحكام الشرعيّة التي لا مجال للرأي فيها مستنِدًا لذلك من غير عزوٍ) . فتح المغيث 1/ 229.