فصْلٌ
في ذِكْرِ كتابٍ كَتَبَهُ بعضُ العُلماءِ لأَحَدِ تَلامِذَةِ شيخِ الإسلامِ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنْهُ
ولَمَّا كُنتُ في بَغْدَادَ رَأَيْتُ مَكتوبًا عندَ بعضِ الفُضلاءِ، أرْسَلَهُ بعضُ علماءِ الشافعيَّةِ المعاصرينَ لشيخِ الإسلامِ لأَحَدِ تلامذةِ الشيخِ رَحِمَهم اللَّهُ تعالى، ثمَّ رَأَيْتُ شَيْخَنَا نَقَلَهُ في كتابِهِ (غايَةُ الأَمَانِي) ، ونحنُ نَنْقُلُهُ هنا عنْ غايَةِ الأَمَانِي.
قالَ مُصَنِّفُهُ أمَدَّنَا اللَّهُ بحياتِهِ: وقدْ رَأَيْتُ كِتابًا كُتِبَ على ظَهْرِ تَرجمةِ شيخِ الإسلامِ وبيانِ مَناقِبِهِ وهيَ (الدُّرَرُ البَهِيَّةُ في تَرجمةِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ) للحافظِ شمسِ الدينِ بنِ عبدِ الهادِي الْمَقْدِسِيِّ، وذلكَ الكتابُ أرْسَلَهُ بعضُ أفاضِلِ العراقِ المعاصرينَ لشيخِ الإسلامِ، وكان مِنْ أكابرِ الشافعيَّةِ، وهوَ العلاَّمَةُ الشيخُ عبدُ اللَّهِ بنُ حامدٍ، وهذا كتابُهُ:
بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ، مِنْ أَصْغَرِ العِبادِ عبدِ اللَّهِ بنِ حامدٍ إلى الشيخِ الإمامِ العالِمِ العامِلِ، قُدوةِ الأفاضلِ والمَحَافِلِ، الْمُحَامِي عنْ دِينِ اللَّهِ، والذَّابِّ عنْ سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الْمُعْتَصِمِ بحَبْلِ اللَّهِ، الشيخِ المُكْرَمِ المُبَجَّلِ أبي عبدِ اللَّهِ، أَسْبَغَ اللَّهُ عليهِ نِعَمَهُ، وأَيَّدَ بإِصَابَةِ الصَّوَابِ لِسانَهُ وقَلَمَهُ، وجَمَعَ لهُ بينَ السَّعَادَتَيْنِ، ورَفَعَ دَرجتَهُ في الدَّارَيْنِ بِمَنِّهِ ورَحمتِهِ، السلامُ علَيْكُم ورحمةُ اللَّهِ وبَركاتُهُ.
أمَّا بَعْدُ: فإنِّي أَحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ الذي لا إلهَ إلاَّ هوَ، ثمَّ وَافَانِي كِتَابُكَ وأنا إلَيْكَ بالأشواقِ، ولم أَزَلْ سائلًا ومُستخبرًا الصادِرَ والواردَ عن الأنباءِ التي طابَ مَسموعُها، وسَرَّ ما يَسُرُّ مِنْهَا، وما تأَخَّرَ كِتابِي عنكَ هذهِ المُدَّةَ مَلَلًا ولا خَلَلًا بالموَدَّةِ ولا تَهَاوُنًا بحقوقِ الإِخَاءِ، حاشَا أنْ يَشُوبَ الأُخُوَّةَ في اللَّهِ جَفاءٌ.
ولا أَزَالُ أتَعَلَّلُ بعدَ وفاةِ الشيخِ الإمامِ إمامِ الدُّنيا رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنْهُ بالاسْتِرْوَاحِ إلى أخبارِ تلامذتِهِ وإخوانِهِ وأقارِبِهِ وعشيرتِهِ والْخِصِّيصِينَ بهِ، لِمَا في نَفْسِي مِن الْمَحَبَّةِ الضروريَّةِ التي لا يَدْفَعُها شيءٌ على الخصوصِ، لَمَّا اطَّلَعْتُ على مَباحِثِهِ واستدلالاتِهِ التي تُزَلْزِلُ أركانَ الْمُبطلينَ، ولا يَثْبُتُ في مَيْدَانِها سَفْسَطَةُ الْمُتَفَلْسِفينَ، ولا يَقَفُ في حَلَبَاتِها أقدامُ الْمُبتَدِعينَ مِن الْمُتكلِّمينَ.
وكُنْتُ قَبْلَ وُقوفِي على مَباحثِ إمامِ الدُّنيا رَحِمَهُ اللَّهُ قدْ طالَعْتُ مصَنَّفَاتِ المتَقَدِّمينَ، ووَقَفْتُ على مقالاتِ المُتَأَخِّرينَ مِنْ أهلِ الإسلامِ، فرأَيْتُ فيها الزخارفَ والأباطيلَ، والشكوكَ التي يَأْنَفُ المسلِمُ الضعيفُ في الإسلامِ أنْ يَخْطُرَ ببالِهِ، فضْلًا عن القويِّ في الدِّينِ، فكانَ يُتْعِبُ قَلْبِي ويُحْزِنُنِي ما يَصيرُ إليهِ الأعاظمُ مِن المقالاتِ السخيفةِ والآراءِ الضعيفةِ، التي لا يَعْتَقِدُ جوازَها آحادُ الأمَّةِ.
وكُنْتُ أُفَتِّشُ على السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ في مُصَنَّفَاتِ المتكَلِّمِينَ مِنْ أصحابِ الإمامِ أحمدَ رَحِمَهُ اللَّهُ على الخصوصِ؛ لاشتهارِهم بِمَنصوصاتِ إمامِهم في أصولِ العقائدِ، فلا أجِدُ عندَهم ما يَكْفِي، وكُنْتُ أَرَاهم يَتناقضونَ؛ إذْ يُؤَصِّلونَ أُصُولًا يَلْزَمُ فيها ضِدُّ ما يَعتقدونَهُ، ويَعتقدونَ خِلافَ مُقْتَضَى أدِلَّتِهم.
فإذا جَمَعْتُ بينَ أقاويلِ المعتزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ وحنابلةِ بغدادَ وكُرَّامِيَّةِ خُراسانَ، أَرَى أنَّ إجماعَ هؤلاءِ المتكلِّمينَ في المسألةِ الواحدةِ على ما يُخالِفُ الدليلَ العقليَّ والنَّقْلِيَّ فيَسُوؤُنِي ذلكَ، وأَظَلُّ أحْزَنُ حُزْنًا لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلاَّ اللَّهُ تعالى.
حتَّى قاسَيْتُ مِنْ مُكابَدَتِي هذهِ الأمورَ شَيئًا عَظيمًا لا أستطيعُ شَرْحَ أَيْسَرِهِ، وكُنْتُ أَلْتَجِئُ إلى اللَّهِ سُبحانَهُ وتعالى وأَتَضَرَّعُ إليهِ، وأَهْرُبُ إلى ظواهِرِ النصوصِ، وأُلْقِي المعقولاتِ المُتَبَايِنَةَ والتأويلاتِ المصنوعةَ؛ لِنُبُوِّ الفِطرةِ عنْ قَبُولِها، ثمَّ قدْ تَشَبَّثَتْ فِطْرَتِي بالحقِّ الصريحِ في أُمَّهَاتِ المسائلِ، غيرَ مُتجاسِرةٍ على التصريحِ بالْمُجاهَرَةِ قولًا، وتَصحيحًا للعَقْدِ، حيثُ لا أَراهُ مَأثورًا عن الأئمَّةِ وقُدماءِ السلَفِ.