وقولُهُ تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] . وهؤلاءِ الآياتُ إنَّما تَدُلُّ على انتفاءِ التجسيمِ والتشبيهِ، انتهى.
فقدْ صَرَّحَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُ في نَفْيِ التجسيمِ، وأنَّ القرآنَ يَدُلُّ على انتفائِهِ، فهلْ بعدَ هذا البَيَانِ حُجَّةٌ لِمُبْطِلٍ.
وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى في تفسيرِ سورةِ الإخلاصِ: أمَّا القوْلُ بأنَّ سُبحانُهُ مُرَكَّبٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ أجزاءٍ، وأَنَّهُ يَقبَلُ التجَزُّؤَ والانقسامَ والانفصالَ، فهذا باطلٌ شَرْعًا ونَقْلًا. انتهى، فتَأَمَّلْهُ.
وصَرَّحَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وغيرُهُ في رَدِّهِ على النَّصَارَى بتكْفِيرِ الْمُجَسِّمَةِ.
وقالَ في (الرِّسَالَةُ الْمَدنيَّةُ) : لا يَخْتَلِفُ أهلُ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ سُبحانَهُ وتعالى ليسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ، لا في ذاتِهِ ولا في صِفاتِهِ، ولا في أفعالِهِ، بلْ أكثَرُ أهلِ السُّنَّةِ مِنْ أصحابِنا وغيرِهم يُكَفِّرُونَ الْمُشَبِّهةَ والْمُجَسِّمَةَ. انتهى.
فهذهِ نصوصُ شيخِ الإسلامِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ صريحةٌ في نَفْيِ ذلكَ اللازمِ المَذْمُومِ، فهلْ يَلِيقُ بعاقلٍ نِسْبَتُهُ إليهِ معَ تصريحِهِ ببُطلانِهِ، ولكنَّهُ داءُ الأُمَمِ قدْ دَبَّ فيهم نَعُوذُ باللَّهِ مِن الْخُذلانِ.
تَتِمَّةٌ: كانَ شيخُ الإسلامِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ يَكرَهُ إطلاقَ الألفاظِ المبتدَعَةِ؛ فلذلكَ ظَنَّ مَنْ لَمْ يُمَارِسْ كُتُبَهُ أنَّهُ يَقولُ بخِلافِ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، وحاشاهُ مِمَّا رَمَاهُ بهِ أَعْدَاؤُهُ. وللَّهِ دَرُّهُ، رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ ورَضِيَ عنهُ، حيثُ قالَ في وَصْفِ النَّاقِمِينَ عليهِ، وأَحْسَنَ في الْمَقالِ:
لوْ لمْ تَكُنْ لي في القلوبِ مَهابَةٌ لم يَطْعَنِ الأعداءُ فيَّ ويَقْدَحُوا
كاللَّيْثِ لَمَّا هِيبَ خُطَّ لهُ الزُّبَى وعَوَتْ لِهَيْبَتِهِ الكلابُ النُّبَّحُ
يَرْمُونَنِي شَزَرَ العُيُونِ لأَنَّنِي غَلَّسْتُ في طَلَبِ المعالِي وَصَبَّحُوا
ولقد اقْتَدَيْتُ بهِ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنْهُ في الإعراضِ عن الجاهلينَ المُعْتَدِينَ الْمُحَرِّفَينَ الحاسدينَ، حيثُ وَقَعَتْ لي عبارةٌ في (الكَوَاكِبِ) في شأنِ الْمَهْدِيِّ المنتَظَرِ، فَهِمَ منها بعضُ الناسِ أَنِي أُنْكِرُ مَجيئَهُ، وهذا غلَطٌ أوْ تَحَامُلٌ؛ فإنِّي لا أُنْكِرُ مَجيئَهُ، ولَكِنِّي أقولُ: إنَّ جميعَ الأحاديثِ التي فيها ذِكْرُ الْمَهْدِيِّ ضِعافٌ على كَثْرَتِها معَ أنَّها مُعَارَضَةٌ بِمِثْلِهَا.
ومِن الْمُقَرَّرِ عندَ عُلماءِ الآثارِ أنَّ الحديثَ الضعيفَ لا يُوجِبُ العملَ، فضْلًا عنْ وُجوبِ الاعتقادِ بمدلولِهِ، وإنَّما تَنَازَعُوا هلْ يَجُوزُ العمَلُ بالحديثِ الضعيفِ أوْ لا.
فقالَ الإمامُ أبو بكرِ بنُ العربيِّ شارحُ (سُنَنِ التِّرمذيِّ) : لا يَجوزُ مُطْلَقًا.
وقالَ غيرُهُ: يَجوزُ في فضائلِ الأعمالِ، واشْتَرَطُوا لذلكَ شُروطًا؛ منها أنْ لا يُعْتَقَدَ عندَ العمَلِ بِثُبوتِهِ لِئَلاَّ يُنْسَبَ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وإلى هذا ذَهَبَ العزُّ بنُ عبدِ السلامِ وابنُ دقيقِ العيدِ، كما نَقَلَهُ عنهما الحافظُ ابنُ حَجَرٍ، ونَقَلَهُ عنهُ تِلْمِيذُهُ السخاويُّ في (القولُ البديعُ) ، قالَهُ الشُّبْرَخِيتِيُّ في (شَرْحُ الأربعينَ النوويَّةِ) ، وبَسَطَ الكلامَ في هذا البحْثِ بسْطًا مُفيدًا، والحقُّ ضالَّةُ الْمُؤْمِنِ أينَ ما وَجَدَهُ الْتَقَطَهُ.
وقالَ الإمامُ مُوَفَّقُ الدينِ بنُ قُدامةَ في كتابِ (ذَمُّ التأويلِ) : والأحاديثُ الضعيفةُ إمَّا لِضَعْفِ رُواتِها أوْ جَهالَتِهم، أوْ لِعِلَّةٍ فيها، فلا يَجوزُ أنْ يُقالَ بها، ولا اعتقادُ ما فيها، بلْ وُجُودُها كعَدَمِها. انتهى.
وإذا كانَ هذا في الصفاتِ التي يكونُ مُنْكِرُها على خَطَرٍ عظيمٍ، فكيفَ بما نحنُ فيهِ على أَنِّي لا أُنْكِرُ مَجيءَ الْمَهْدِيِّ، ولكنِّي أَقولُ: لا يَجِبُ اعتقادُ مَجِيئِهِ لِمَا سَمِعْتَ، واللَّهُ أَعْلَمُ.