فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 40

فصْلٌ

في تنبيهِ ذَوِي الأفهامِ على نَبْذَةٍ مِنْ فضائلِ الإمامِ شيخِ الإسلامِ ومُؤَلَّفاتِهِ العِظَامِ

إنَّ مَن اخْتَصَّهُ اللَّهُ تعالى بشَرَفِ الْمَنزِلَةِ، وأَنْعَمَ عليهِ بعُلُوِّ الْمَرتبةِ، ونَظَرَ بعَيْنِ العدْلِ والإِنْصَافِ، وجانَبَ جانِبَ الاعتسافِ، وتَرَفَّعَ عنْ تقليدِ أربابِ الأغراضِ الرَّدِيَّةِ، وأَخْلَصَ للَّهِ النيَّةَ، علِمَ يَقينًا مَزِيَّةَ مُؤلفاتِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، وتَبَيَّن لهُ أنَّها أَجَلُّ مُؤَلَّفَاتِ العلماءِ، كما أنَّهُ عَلاَّمَةُ الأعلامِ، سابَقَ الأئمَّةَ الكبارَ وجَارَاهُمْ في ذلكَ الْمِضْمَارِ، وظَهَرَتْ للذَّكِيِّ اللبيبِ صِحَّةُ أقوالِهِ؛ لِقُوَّةِ أَدِلَّتِها كالشمسِ في رابعةِ النهارِ، فأَعْشَتْ شَمْسُ فضائِلِهِ وانتصارُهُ للسُّنَّةِ السَّنِيَّةِ خفافيشَ البِدَعِ وأربابَ العِنادِ، فعاداهُ لذلكَ الأَغْمَارُ، فتَجَرَّدَ للذَّبِّ عنهُ، ونَشَرَ فضائِلَهُ احتسانًا خَلائِقُ مِن العلماءِ العاملينَ، ذَوِي التقوى وقُوَّةِ الإيمانِ واليقينِ، فأَلَّفُوا في ذلكَ الكُتُبَ الْمُسْتَقِلَّةَ.

فمنها: مَناقِبُهُ للإمامِ ابنِ عبدِ الهادِي، ومناقِبُهُ للإمامِ الحافظِ سرَاجِ الدينِ البَزَّارِ، ومناقِبُهُ للشيخِ الإمامِ شِهابِ الدينِ العُمَرِيِّ، وكتابُ (الْحَمِيَّةُ الإسلاميَّةُ في الانتصارِ لابْنِ تَيْمِيَّةَ) للإمامِ أبي الْمُظَفَّرِ يُوسُفَ العَبَّادِيِّ العُقَيْلِيِّ السُّومَرِيِّ ثمَّ الدِّمَشْقِيِّ.

ومنها (الرَّدُّ الوافرُ) للحافظِ ابنِ ناصرِ الدينِ الدِّمَشْقِيِّ، ومنها (القولُ في تَرجمةِ ابنِ تَيْمِيَّةَ الحنبليِّ) للإمامِ صَفِيِّ الدينِ النَّابُلْسِيِّ.

ومنها (الكَوَاكِبُ الدُّرِّيَّةُ في مَناقِبِ ابنِ تَيْمِيَّةَ) للعلاَّمةِ الشيخِ مَرْعِي الحنبليِّ الجليلِ صاحبِ (الغايَةِ والدَّلِيلِ) .

ومنها (جَلاءُ العَيْنَيْنِ) للعلاَّمةِ خيرِ الدينِ الأُلُوسِيِّ، رَدَّ بهِ الأباطيلَ التي ذُكِرَتْ في (الفتاوَى الْحَدِيثِيَّةِ) وبَيَّنَ بُطلانَها، وأنَّها زُورٌ وكَذِبٌ وبُهتانٌ على شيخِ الإسلامِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، فجَزَاهُ اللَّهُ تعالى أحْسَنَ الجزاءِ. ومنها غيرُ ذلكَ ممَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ، ويَصْعُبُ حَصْرُهُ.

وأَمَّا مَنْ أَثْنى عليهِ ومَدَحَهُ في أثناءِ كُتُبِ التراجمِ والطبقاتِ فخَلْقٌ كثيرٌ، وجَمٌّ غَفيرٌ، لا يُحصِيهِمْ إلاَّ الذي خَلَقَهم. ورَحِمَ اللَّهُ الإمامَ ابنَ دَقيقِ العيدِ فلَقَدْ أنْصَفَ في الْمَقالِ لَمَّا سُئِلَ عنْ شيخِ الإسلامِ الإمامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ، وكان قد اجْتَمَعَ بهِ، فقالَ: رَأَيْتُ رجلًا سائرُ العلومِ بينَ عَيْنَيْهِ، يَأخذُ منها ما شاءَ، ويَدَعُ ما شاءَ.

وقالَ العلاَّمَةُ: ابنُ الوَرديِّ في (تاريخِهِ) لَمَّا ذَكَرَ شيخَ الإسلامِ: وهوَ عَجيبٌ في استحضارِهِ، واستخراجِ الْحُجَجِ منهُ -يَعْنِي الحديثَ- وإليهِ الْمُنْتَهَى في عَزْوِهِ إلى الكتُبِ الستَّةِ وَ (المسنَدِ) بحيثُ يَصْدُقُ عليهِ أنْ يُقالَ: كُلُّ حديثٍ لا يَعرِفُهُ ابنُ تَيْمِيَّةَ فليسَ بحديثٍ، ولكنَّ الإِحَاطَةَ لِلَّهِ تعالى، غيرَ أنَّهُ يَغْتَرِفُ فيهِ مِنْ بحْرٍ، وغيرُهُ مِن الأَئِمَّةِ يَغْتَرِفُونَ مِن السواقِي.

فتأمَّلْ ما في هذهِ الشهادةِ مِنْ هذا الإمامِ لشيخِ الإسلامِ، مِمَّا يَدُلُّ على كمالِ فَضْلِهِ وجَلالةِ قَدْرِهِ.

وقالَ في رِحلتِهِ لَمَّا ذَكَرَ عُلماءَ دِمشقَ ما نَصُّهُ: وتَرَكْتُ التَّعَصُّبَ والْحَمِيَّةَ، وحَضَرْتُ مجالسَ ابنِ تَيْمِيَّةَ فإذا هوَ بَيْتُ القَصيدةِ، وأَوَّلُ الْخَريدةِ، عُلماءُ زَمانِهِ فَلَكٌ هوَ قُطْبُهُ، وجِسمٌ هوَ قَلْبُهُ، يَزيدُ عليهم زِيادةَ الشمسِ على البَدْرِ، والبحْرِ على القَطْرِ، حَضَرْتُ بينَ يَدَيْهِ يومًا فَأَصَبْتُ المعنى، وكَنَّانِي وقَبَّلَ بينَ عَيْنَيَّ، وقُلْتُ:

إنَّ ابنَ تَيْمِيَّةَ في كلِّ العلومِ أَوْحَدُ

أَحْيَيْتَ دِينَ أَحْمَدٍ وشَرْعَهُ أَحْمَدُ

وللَّهِ دَرُّ الإمامِ ابنِ قاضي الجبلِ الحنبليِّ، فما أَلْطَفَ قولَهُ وأَحْسَنَهُ:

نَبِيِّي أحمدٌ وكذا إِمَامِي وشَيْخِي أحمدٌ كالبحْرِ طامِي

وإسْمِي أَحْمَدٌ فَلِذَاكَ أَرْجُو شَفاعةَ سَيِّدِ الرُّسْلِ الكِرامِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت