فصْلٌ
في فوائدَ مُهِمَّةٍ وحِكَمٍ مُفِيدَةٍ حقيقٌ بطالِبِ العِلْمِ فَهْمُهَا
اعلَمْ أنَّ مِن الآدابِ التي يَنبغِي لطالِبِ العلْمِ فَهْمُها والعمَلُ بها، ما أَرْشَدَ إليهِ الأئمَّةُ الفُضلاءُ الذينَ أَفْنَوْا أعمارَهم في طَلَبِ الفضائلِ والأعمالِ الصالحةِ، كالإمامِ ابنِ حَزْمٍ؛ فقدْ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى في كتابِ (مُداواةُ النُّفوسِ) : إذا حَضَرْتَ مَجْلِسَ العلْمِ فلا يَكُنْ حُضُورُكَ إلاَّ حُضُورَ مُستفيدٍ مُستزيدٍ عِلْمًا وأَجْرًا، لا حُضورَ مُسْتَغْنٍ بما عِنْدَكَ طالبًا عَثْرَةً تُشَنِّعُهَا أوْ غَريبةً تُشَيِّعُها، فهذهِ أفعالُ الأرَاذِلِ الذينَ لا يُفْلِحُونَ في العلْمِ أَبَدًا.
قالَ: وإيَّاكَ أنْ تُرَاجِعَ مُراجعةَ العالِمِ، وإذا وَرَدَ عليكَ خِطابٌ بلِسَانٍ، أوْ هَجَمْتَ على كلامٍ في كتابٍ، فإيَّاكَ أنْ تُقَابِلَهُ مُقَابَلَةَ المُغَاضَبَةِ الباعثةِ على المُغَالَبَةِ، قبلَ أنْ تَتَبَيَّنَ بُطلانَهُ ببُرهانٍ قاطعٍ.
قُلْتُ: وهذا سببُ - والعياذُ باللَّهِ - عدَمِ التوفيقِ، كما قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ في (النُّونيَّةِ) :
إنَّ البِدَارَ بِرَدِّ شَيْءٍ لم تُحِطْ علْمًا بهِ سَبَبٌ إلى الْحِرمانِ
قالَ ابنُ حَزْمٍ: فُرِضَ على الناسِ تَعَلُّمُ الخيرِ والعملُ بهِ، فمَنْ جَمَعَ الأمرَيْنِ اسْتَوْفَى الفَضليْنِ معًا، ومَنْ عَلِمَهُ ولم يَعْمَلْ بهِ فقدْ أَحْسَنَ في التعليمِ وأساءَ في ترْكِ العملِ بهِ، فخَلَطَ عمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، وهوَ خيرٌ مِنْ آخَرَ لم يَعْلَمْهُ ولم يَعْمَلْ بهِ، وهذا الذي لا خَيْرَ فيهِ أَمْثَلُ حالًا وأَقَلُّ ذَمًّا مِنْ آخَرَ يَنْهَى عنْ تَعَلُّمِ الخيرِ ويَصُدُّ عنهُ.
قُلْتُ: والْمُتَّصِفُونَ بصِفةِ هذا القِسْمِ الأخيرِ سَمَّاهُم الإمامُ ابنُ القَيِّمِ في (مِفتاحُ دارِ السعادةِ) نُوَّابَ إبليسَ في الأرضِ، وهم الذينَ يُثَبِّطُونَ الناسَ عنْ طَلَبِ العلْمِ والتَّفَقُّهِ في الدِّينِ، فهؤلاءِ أَضَرُّ عليهم مِنْ شياطينِ الْجِنِّ؛ فإنَّهُم يَحُولُونَ بينَ القلوبِ وبينَ هُدَى اللَّهِ وطَريقِهِ.
قالَ بعضُ العُلماءِ: ويَنبغِي لطالِبِ العلْمِ أنْ لا يُنازِعَ أحَدًا ولا يُخَاصِمَهُ؛ لأنَّهُ يُضَيِّعُ أوقاتَهُ، وأَنْشَدَ:
ولا تَجْزِ إنسانًا على سُوءِ فِعْلِهِ سَيَكْفِيهِ ما فيهِ وما هوَ فاعِلُهْ
قيلَ: مَنْ أرادَ أنْ يُرْغِمَ أنْفَ عَدُوِّهِ فلْيَجِدَّ في كسْبِ الفضائلِ، واجتنابِ الرذائلِ. ولهذا قالَ الشاعرُ:
إذا شِئْتَ أنْ تَلْقَى عَدُوَّكَ رَاغِمًا وتَقْتُلَهُ غَمًّا وتَحْرِقَهُ هَمَّا
فرُمْ لِلْعُلَى وازْدَدْ مِن العِلْمِ إِنَّهُ مَن ازْدَادَ عِلْمًا زَادَ حاسِدُهُ غَمَّا
وقالَ النَّاصِحُونَ مِن العلماءِ العاملينَ: عليكَ أنْ تَشتغِلَ بِمَصالِحِ نفْسِكَ، لا بقَهْرِ عَدُوِّكَ، فإذا قُمْتَ بمصالِحِ نفْسِكَ تَضَمَّنَ ذلكَ قَهْرَ عدُوِّكَ، وإيَّاكَ والمُعَادَاةَ؛ فإنَّها تَفْضَحُكَ وتُضَيِّعُ أوقاتَكَ، وعليكَ بالتَّحَمُّلِ لاسيِّمَا السفهاءِ، وإيَّاكَ أنْ تَظُنَّ شَرًّا بالمؤمنينَ؛ فإنَّهُ مَنشأُ العداوةِ، ولا يَحِلُّ ذلكَ.
قالَ عمرُ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنْهُ: ولا تَظُنَّ بكلمةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ شرًّا تَجِدُ لها في الخيرِ مَحْمَلًا، وإنَّما يَنشأُ سُوءُ الظَّنِّ مِنْ خُبْثِ النِّيَّةِ، وسوءِ السَّريرةِ، كما قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ:
إِذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
وَعَادَى مُحِبِّيهِ بِقَوْلِ عِدَاتِهِ وَأَصْبَحَ فِي لَيْلٍ مِنَ الشَّكِّ مُظْلِمِ
وقالَ الآخَرُ:
تَنَحَّ عن القبيحِ ولا تُرِدْهُ ... ومَنْ أَوْلَيْتَهُ حُسْنًا فَزِدْهُ
ستُكْفَى مِنْ عَدُوِّكَ كُلَّ كَيْدٍ إذا كادَ العدوُّ فلا تَكِدْهُ