فصْلٌ
في جُملةٍ نافِعَةٍ مِنْ آدابِ المتَعَلِّمِ
اعْلَمْ أنَّهُ ممَّا يَلْزَمُ طالِبَ العلْمِ النَّبِيهِ إِكْرَامُ مُعَلِّمِهِ وأُسْتَاذِهِ، وتعظيمُهُ واحترامُهُ؛ ليَنْصَحَ في تعليمِهِ، ويَجِدَّ في إِرْشَادِهِ وتَفْهِيمِهِ؛ فقدْ قالَ مَنْ صَدَقَ في الْمَقالِ:
إنَّ الْمُعَلِّمَ والطَّبِيبَ كِلاهُمَا لا يَنْصَحَانِ إذا هُمَا لم يُكْرَمَا
فاصْبِرْ لِدَائِكَ إنْ جَفَوْتَ طَبيبَهُ واقْنَعْ بِجَهْلِكَ إنْ جَفَوْتَ مُعَلِّمَا
ولا يَنبغِي لطَالِبِ العلْمِ أنْ يُجادِلَ مُعَلِّمَهُ أوْ يُمَارِيَهُ، فيُحْرَمَ بذلكَ عِلْمًا كثيرًا، بلْ يَلْزَمُهُ الرِّفْقُ والتَّوَدُّدُ وطلَبُ رِضاهُ. قالَ الزُّهْرِيُّ: كانَ أَبُو سَلَمَةَ يُمَارِي ابنَ عبَّاسٍ، فحُرِمَ بذلكَ عِلْمًا كثيرًا.
وعلى المُتَعَلِّمِ الصَّبْرُ، واحتمالُ الغضَبِ مِن المعَلِّمِ إنْ غَضِبَ عندَ التعليمِ؛ لِيَنَالَ بذلكَ الرِّضَى، فيَستخْرِجَ ما عندَ مُعَلِّمِهِ مِن العلومِ، ورَحِمَ اللَّهُ القائلَ:
اصْبِرْ على مُرِّ الْجَفَا مِنْ مُعَلِّمٍ فإنَّ رُسوخَ العلْمِ في نَفْرَاتِهِ
ومَنْ لَمْ يَذُقْ ذُلَّ التعَلُّمِ ساعَةً تَجَرَّعْ ذُلَّ الْجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ
حَيَاةُ الْفَتَى واللَّهِ بالعِلْمِ والتُّقَى إذا لمْ يَكُونَا لا اعتبارٌ لِذَاتِهِ
ومَنْ فَاتَهُ التعليمُ وَقْتَ شَبابِهِ فكَبِّرْ عليهِ أَرْبَعًا لِوَفاتِهِ
وعنْ سعيدِ بنِ الْمُسَيِّبِ، أنَّ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُ قالَ: إنَّ مِنْ حَقِّ العالِمِ ألاَّ تُكْثِرَ عليهِ بالسُّؤَالِ، وَلا تُعَنِّتَهُ فِي الجَوَابِ، وأنْ لا تُلِحَّ علَيْهِ إذا كَسِلَ، ولا تَأخُذَ بثَوْبِهِ إذا نَهَضَ، ولا تُفْشِيَنَّ لهُ سِرًّا، ولا تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أحَدًا، ولا تَطْلُبَنَّ عَثْرَتَهُ، وإنْ زَلَّ قَبِلْتَ مَعْذِرَتَهُ، وعَلَيْكَ أنْ تُوَقِّرَهُ وتُعَظِّمَهُ لِلَّهِ ما دامَ يَحفَظُ أمْرَ اللَّهِ، ولا تَجْلِسْ أَمَامَهُ، وإنْ كَانَتْ لهُ حَاجَةٌ سَبَقْتَ القومَ إلى خِدمتِهِ.
ولا بُدَّ لطالِبِ العلْمِ مِن التَّوَاضُعِ، وحُسْنِ الْخُلُقِ، وطَرْحِ الكِبْرِ؛ ليَنتفِعَ بعِلْمِهِ ويَنْفَعَ غيرَهُ. وفي هذا المعنى أَنْشَدَ بعضُهم:
إنَّ التواضُعَ مِنْ خِصالِ الْمُتَّقِي وبهِ التَّقِيُّ إلى الْمَعالِي يَرْتَقِي
ومِن العَجَائِبِ عُجْبُ مَنْ هوَ جَاهِلٌ في حَالِهِ أَهُوَ السعيدُ أمِ الشَّقِي
أمْ كيفَ يَخْتِمُ عُمْرَهُ أوْ رُوحَهُ يومَ التَّوَى مُتَسَفِّلٌ أوْ مُرْتَقِي
الكِبرياءُ لِرَبِّنَا صِفَةٌ بهِ ... مَخصوصةٌ فتَجَنَّبْنَها واتَّقِي
وقالَ الحُسَيْنُ بنُ عليٍّ لابنِهِ: يا بُنَيَّ، إذا جالَسْتَ العُلماءَ فَكُنْ على أنْ تَسمعَ أحْرَصَ مِنْكَ على أنْ تقولَ، وتَعَلَّمْ حُسْنَ الاستماعِ كما تَتَعَلَّمُ حُسْنَ الصمْتِ، ولا تَقْطَعْ على أحَدٍ حَديثًا وإنْ طالَ حتَّى يُمْسِكَ.
وقَالَت الْحُكماءُ: إذا جالَسْتَ العُلماءَ فكُنْ على أنْ تَسْمَعَ أَحْرَصَ منكَ على أنْ تقولَ.
حَكَى بعضُهم أنَّ الخليفةَ هارونَ الرشيدَ بَعَثَ ابنَهُ إلى الأَصْمَعِيِّ؛ لِيُعَلِّمَهُ العلْمَ والأدَبَ، فرَآهُ يومًا يَتوضَّأُ ويَغْسِلُ رِجْلَهُ وابنُ الخليفةِ يَصُبُّ الماءَ على رِجْلِهِ، فعاتَبَ الأَصْمَعِيَّ في ذلكَ فقالَ: إنَّما بَعَثْتُهُ إلَيْكَ لتُعَلِّمَهُ وتُؤَدِّبَهُ، فلِمَاذَا لم تَأْمُرْهُ بأنْ يَصُبَّ الماءَ بإِحْدَى يدَيْهِ ويَغْسِلَ بالأُخْرَى رِجْلَكَ؟ فتَأَمَّلْ لَعَلَّكَ تَرْشُدُ وتَسْعَدُ.
وممَّا لا يَلِيقُ بطالِبِ العِلْمِ اغْتِرَارُهُ بنَفْسِهِ وتَوَهُّمُهُ أنَّهُ أَعْلَمُ مِنْ مُعَلِّمِهِ أوْ مِثْلُهُ؛ فإنَّ هذا تَسْوِيلٌ مِن النفْسِ وخَدْعَةٌ مِن الشَّيْطَانِ.