فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 40

فصْلٌ

في فَضيلةِ كُتُبِ العلْمِ وبيانِ الاستغناءِ بها عنْ مُجالَسَةِ أكثَرِ الناسِ

حقيقٌ بِمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وفَهْمًا أنْ لا يُضَيِّعَ أوقاتَهُ سُدًى وهَمَلًا بغيرِ طاعةٍ، وأنْ لا يَشْغَلَ نفْسَهُ باللَّهْوِ والبَطالةِ، فهذهِ حالةٌ لا يَرضاهَا لنفْسِهِ اللبيبُ، ومَنْزِلَةٌ يَتَعَوَّذُ منها الأَرِيبُ.

وقدْ ذَكَرَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ في (مِفتاحُ دارِ السعادةِ) عنْ بعْضِ السلَفِ أنَّهُ قالَ: إذا أَتَى عَلَيَّ يومٌ لا أَزْدَادُ فيهِ علْمًا يُقَرِّبُنِي إلى اللَّهِ فلا بُورِكَ لي في طُلوعِ شِمْسِ ذلكَ اليومِ. قالَ: وفي مِثْلِهِ قالَ القائلُ:

فإنْ مَرَّ بِي يَوْمٌ ولم أَسْتَفِدْ هُدًى ولَمْ أَكْتَسِبْ عِلْمًا فما ذاكَ مِنْ عُمْرِي

الحزْمُ كُلُّ الحزْمِ أنْ يَعْرِفَ الإنسانُ قيمةَ عُمْرِهِ، ولا يُفْنِيَهُ إلاَّ بِطَاعَةِ اللَّهِ تعالى، أَمَا يُرْضِيهِ أنْ يَجعلَ الكتابَ لهُ أَنِيسًا، ولا يَستبدِلَ بهِ مِن الناسِ جَليسًا، ففي ذلكَ مِن الفوائدِ الجليلةِ ما عَرَفَهُ أَرْبَابُ القلوبِ الواعيَةِ، والنفوسِ الزَّكِيَّةِ؛ ولهذا قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ القَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ:

وفي خُلْوَةِ الإنسانِ بالعلْمِ أُنْسُهُ وَيَسْلَمُ دِينُ المرءِ عندَ التَّوَحُّدِ

ويَسلَمُ مِنْ قَالٍ وقِيلٍ ومِنْ أَذَى جليسٍ ومِنْ وَاشٍ بغِيضٍ وحُسَّدِ

فكُنْ حِلْسَ بَيْتٍ فهوَ سِتْرٌ لعَوْرَةٍ وحِرْزُ الفَتَى عنْ كلِّ لَغْوٍ ومُفْسِدِ

وخيرُ جليسِ المرءِ كُتْبٌ تُفِيدُهُ عُلومًا وآدابًا كعَقْلٍ مُؤَيِّدِ

وخالِطْ إذا خالَطْتَ كلَّ مُوَفَّقٍ مِن العُلَمَا أهْلِ التُّقَى والتَّعَبُّدِ

يُفيدُكَ مِنْ عِلْمٍ ويَنْهَاكَ عنْ هَوًى فَصَاحِبْهُ تُهْدَى مِنْ هُدَاهُ وتَرْشُدُ

فالعاقِلُ إنَّما يُخَالِطُ الأفَاضِلَ والأَمَاثِلَ مِنْ أَهْلِ التَّعَبُّدِ والعلْمِ والرَّزَانَةِ والحِلْمِ، فإذا لم يَجِدْ مَنْ هذهِ صِفَتُهُ فَلْيَعْكُفْ على العلْمِ ومُطَالَعَةِ كُتُبِهِ، كما قيلَ:

العلْمُ آنَسُ صاحِبٍ أخْلُو بهِ في وَحْدَتِي

فإذا اهْتَمَمْتُ فسَلْوَتِي وإذَا خَلَوْتُ فلَذَّتِي

قالَ الفُضَلاءُ: إِنَّ الكِتَابَ هوَ الجليسُ الذي لا يُنَافِقُ، ولا يَمَلُّ، ولا يُعَاتِبُكَ إذا جَفَوْتَهُ، ولا يُفْشِي سِرَّكَ.

وقالَ بعضُ الوُزَرَاءِ لِبَنِيهِ: يا بَنِيَّ، إذا وَقَفْتُمْ في الأسْوَاقِ فلا تَقِفُوا إلاَّ على مَنْ يَبِيعُ السلاحَ أوْ يَبيعُ الكُتُبَ.

وأَرْسَلَ بعضُ الْخُلفاءِ في طَلَبِ بعضِ العُلماءِ ليَستأمِرَهُ، فلَمَّا جاءَ الخَادِمُ إليهِ وَجَدَهُ جالسًا وحَوَالَيْهُ كُتُبٌ، وهوَ يُطالِعُ فيها، فقالَ لهُ: إنَّ أَميرَ المؤمنينَ يَسْتَدْعِيكَ، قالَ: قُلْ لهُ: عِندي قَوْمٌ مِن الْحُكماءِ أُحادِثُهم، فإذا فَرَغْتُ منهم حَضَرْتُ.

فلَمَّا عادَ الخادِمُ إلى الخليفةِ وأَخْبَرَهُ بذلكَ، قالَ لهُ: وَيْحَكَ! مَنْ هؤلاءِ الْحُكماءُ الذينَ كَانُوا عندَهُ؟ قالَ: واللَّهِ يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ما كانَ عندَهُ أحَدٌ. قالَ: فأَحْضِرْهُ السَّاعَةَ كيفَ كانَ. فلَمَّا حَضَرَ ذلكَ العالِمُ قالَ لهُ الْخَليفةُ: مَنْ هؤلاءِ الْحُكماءُ الذينَ كَانُوا عندَكَ؟ قالَ: يا أميرَ المؤمنينَ:

لَنَا جُلساءُ ما نَمَلُّ حَدِيثَهم أَلِبَّاءُ مَأْمُونُونَ غَيْبًا ومَشْهَدَا

يُفِيدُونَنَا مِنْ عِلْمِهم عِلْمَ ما مَضَى ورَأْيًا وتَأديبًا ومَجْدًا وسُؤْدَدَا

فإنْ قُلتَ: أَمْوَاتٌ فلم تَعْدُ أَمْرَهُم وإنْ قُلْتَ: أحياءُ فلَسْتَ مُفَنَّدَا

فعَلِمَ الخليفةُ أنَّهُ يُشيرُ بذلكَ إلى الكُتُبِ، ولم يُنْكِرْ عليهِ تَأَخُّرَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت