فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 40

فصْلٌ

في بيانِ فضيلةِ نشْرِ العلْمِ والدعوةِ إلى اللَّهِ تعالَى

قالَ اللَّهُ تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فُصِّلَتْ: 11] . ولَمَّا تَلا الحَسَنُ هذهِ الآيَةَ قالَ: هذا حبيبُ اللَّهِ، هذا وَلِيُّ اللَّهِ، هذا صَفْوَةُ اللَّهِ، هذا خِيَرَةُ اللَّهِ، هذا أحَبُّ أهْلِ الأرضِ إلى اللَّهِ، أجابَ اللَّهَ في دَعْوَتِهِ، ودَعَا الناسَ إلى ما أَجَابَ اللَّهُ فيهِ مِنْ دَعوتِهِ، وعَمِلَ صالحًا في إجابتِهِ، وقالَ: إنَّنِي مِن المسلمينَ، هذا خليفةُ اللَّهِ.

وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ) ).

ورَوَى الحافظُ ابنُ عبدِ الْبَرِّ عن ابنِ القاسمِ قالَ: كُنَّا إذا وَدَّعْنَا مالِكًا يَقُولُ لنا: اتَّقُوا اللَّهَ، وانْشُرُوا هذا العِلْمَ وعَلِّمُوهُ، ولا تَكْتُمُوهُ.

وعن الحسَنِ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( مِنَ الصَّدَقَةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ الْعِلْمَ فَيَعْمَلَ بِهِ ثُمَّ يُعَلِّمَهُ ) ).

قالَ: ورُوِّينَا عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيٍّ قالَ: كانَ أنَسٌ يقولُ: بَلَغَنِي أنَّ العلماءَ يُسألونَ يومَ القيامةِ كما يُسألُ الأنبياءُ، يَعْنِي عن التَّبْلِيغِ.

وقالَ ابنُ مسعودٍ في قولِهِ تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ} [النَّحْل: 120] ، قالَ: الأُمَّةُ: المُعَلِّمُ للخيرِ، والقانِتُ: المُطِيعُ.

وقالَ وَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: سَمِعْتُ سفيانَ بنَ عُيَيْنَةَ يقولُ في قولِهِ عزَّ وجَلَّ: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ} [مَرْيَم: 31] قالَ: مُعَلِّمًا للخيرِ.

وكانَ تَميمٌ الدارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُ يَعِظُ الناسَ ويُعَلِّمُهُم الخيرَ كلَّ يومِ جُمُعَةٍ في مسجِدِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في خِلافةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، كما ذَكَرَهُ الإمامُ الْمِقْرِيزِيُّ في (الْخُطَطِ) .

ولمْ يَزَلْ عُلماءُ الإسلامِ وهُمْ يَجتهدونَ في نَشْرِ العلْمِ وَبَثِّهِ ويَختارونَ لذلكَ الْمَجامِعَ العظيمةَ كيومِ الجُمُعَةِ. وقدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخونَ في تَرجمةِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ أنَّهُ يُنْصَبُ لهُ كُرْسِيٌّ كلَّ يومِ جُمُعَةٍ يُذَكِّرُ الناسَ، وإنَّما اختارَ يومَ الْجُمُعَةِ لاجتماعِ الناسِ فيهِ؛ فيكونُ أَبْلَغَ في التبليغِ.

وكذلكَ الإمامُ الحافظُ عبدُ الغنِيِّ بنُ عبدِ الواحدِ الْمَقْدِسِيُّ صاحبُ (الْعُمْدَةُ) كانَ يَقرأُ الحديثَ بعدَ صلاةِ الْجُمُعَةِ بحَلْقَةِ الحنابِلَةِ بجامعِ دِمَشْقَ، ويَجتمعُ الناسُ إليهِ، وحَصَلَ لهُ قَبولٌ، فكانَ سريعَ الدَّمْعَةِ، فحَسَدَهُ الدَّماشِقَةُ، فحَسَّنُوا لأَحَدِ الحَنَابِلَةِ أنْ يُذَكِّرَ أيضًا بعدَ صلاةِ الْجُمُعَةِ في الجامِعِ المذكورِ.

ومَقصودُهم في ذلكَ التَّشْوِيشُ على الحافظِ؛ لِكَوْنِهم حَسَدُوهُ رَحِمَهُ اللَّهُ كما ذَكَرَهُ الإمامُ الدُّلَجِيُّ في كتابِ (الفَلاكَةُ والْمَفْلُوكُونَ) ، وهوَ مِنْ أَنْفَعِ الكتُبِ وأحسَنِها لتهذيبِ الأخلاقِ ومُداواةِ النفوسِ. وللَّهِ دَرُّ القائلِ:

ذَاكِرِ الناسَ بالعلومِ لِتَحْيَا لا تَكُنْ مِنْ أُولِي النُّهَى ببعيدِ

إنْ كَتَمْتَ العلومَ أُنْسِيتَ حتَّى لا تُرَى غيرَ جاهِلٍ وبَلِيدِ

ثمَّ أُلْجِمْتَ في القِيامةِ نَارًا وتَلَهَّبْتَ في العذابِ الشديدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت