فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 40

فصْلٌ

في بيانِ الإنصافِ في العلْمِ وأنَّهُ يُزَيِّنُ العالِمَ

قالَ أبو عُمَرَ بنُ عبدِ الْبَرِّ: مِنْ بَركةِ العلْمِ وآدابِهِ الإنصافُ فيهِ، ومَنْ لم يُنْصِفْ لم يَفْهَمْ ولم يُفْهِمْ.

وقالَ بعضُ العلماءِ: ليسَ مَعِي مِن العلْمِ إلاَّ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي لَسْتُ أَعْلَمُ.

أَقُولُ: يُعَدُّ مثلُ هذا الكلامِ فَضِيلَةً لقائلِهِ، إذا كانَ عالِمًا هاضِمًا لنَفْسِهِ، عارفًا نَقْصَهُ بالنِّسْبَةِ إلى مَنْ هوَ أكثرُ منهُ علْمًا، وأمَّا إنْ كانَ لا عِلْمَ عندَهُ وقالَ ذلكَ مُخْبِرًا عنْ نفْسِهِ ومُعْتَرِفًا بنَقْصِهِ، فيَكُونُ جاهلًا بسيطًا يَجِبُ عليهِ التعَلُّمُ.

وقالَ محمودٌ الوَرَّاقُ:

أَتَمُّ الناسِ أَعْرَفُهُم بنَقْصِهْ وأَقْمَعُهُمْ لشَهْوَتِهِ وحِرْصِهْ

وعنْ عمرَ بنِ الْخَطَّابِ أنَّهُ قالَ: لا تَزِيدُوا في مُهُورِ النساءِ على أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، ولوْ كَانَتْ بنتَ ذي العِصْمَةِ -يَعْنِي يزيدَ بنَ الحُسَيْنِ الحَارِثِيَّ- فمَنْ زادَ أُلْقِيَتْ زِيَادَتُهُ في بيتِ المالِ. فقَامَت امرأَةٌ مِنْ صَفِّ النساءِ طويلةٌ فيها فَطَسٌ فقالَتْ: ما ذلكَ لكَ، قالَ: ولِمَ؟ قَالَتْ: لأنَّ اللَّهَ عزَّ وجَلَّ يقولُ: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} ، فقالَ عُمرُ: امرأةٌ أصابَتْ ورَجُلٌ أَخْطَأَ.

وهذا في غايَةِ الإنصافِ مِنْ أميرِ المؤمنينَ، معَ ما أَعْطَاهُ اللَّهُ مِن الخلافةِ والْمَهَابَةِ ومَحَبَّةِ الرَّعِيَّةِ، وكمالِ الشرَفِ والسُّؤْدَدِ، وكثرةِ الفتوحاتِ، وكونِهِ مُلْهَمًا مُحَدَّثًا، حيثُ اعْتَرَفَ بالخطأِ ورَجَعَ عنهُ؛ لِتَنْبِيهِ المرأةِ، فرَضِيَ اللَّهُ تعالى عنهُ وعن العلماءِ العاملينَ الْمُنصفينَ.

قالَ أبو عمرَ: وكان مالِكُ بنُ أنَسٍ يقولُ: ما في زَمَانِنا شيءٌ أَقَلَّ مِن الإنصافِ.

وعنْ عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ قالَ: قُلْتُ لمالِكٍ: ما أعلَمُ أَحَدًا أعلَمَ بالبُيُوعِ مِنْ أهلِ مصرَ، فقالَ لهُ مالِكٌ: وبِمَ ذلكَ؟ قالَ: بكَ، قالَ: أنا لا أعرِفُ الْبُيوعَ، فكيفَ يَعْرِفُونَها بِي؟!

وقالَ خَالِدُ بنُ يزيدَ بنِ معاويَةَ: عُنِيتُ بِجَمْعِ الكُتُبِ، فما أَنَا مِن العلماءِ ولا مِن الْجُهَّالِ.

وقالَ يزيدُ بنُ عبدِ الْمَلِكِ:

إذا تَحَدَّثْتَ في مَجْلِسٍ ... تَنَاهَى حَدِيثِي إلى ما عَلِمْتْ

ولم أَعْدُ عِلْمِي إلى غيرِهِ ... وكان إذا ما تَنَاهَى سَكَتّ

وعنْ عبدِ اللَّهِ بنِ وَهْبٍ قالَ: سَمِعْتُ مالكًا يقولُ: الْمِراءُ يُقَسِّي القلبَ، ويُورِثُ الضِّغْنَ. وإنَّما قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ذلكَ لأنَّ المقصودَ مِن العلْمِ هوَ أنْ يكونَ سَببًا مُوَصِّلًا إلى مَرضاةِ اللَّهِ تعالى.

ولمْ يَكُنْ مِنْ سيرةِ السلَفِ الصالحِ الْجِدالُ والْمِراءُ، بلْ قَصْدُهم ظُهورُ الحقِّ، كما قالَ الوَالِدُ عليهِ الرحمةُ في بعضِ رَسائلِهِ، وقدْ أَفْتَى بمسألةٍ فَخَطَّأَهُ بعضُ مَشايخِنا، وكَتَبَ إلى الوالدِ بذلكَ، فأجابَهُ برِسَالَةٍ قالَ في أوَّلِها:

وهذا أَخِي ليسَ مِن الدِّينِ - يَعْنِي الاعتراضَ مِنْ غيرِ تَحْقِيقٍ - ولا مِنْ سُنَّةِ عِبادِ اللَّهِ الصالحينَ، لا سِيَّمَا الإخوانِ المُتَنَاصِحِينَ، فلَقَدْ كانَ منهم مَنْ يَقُولُ: أَفْرَحُ إذا أصابَ خَصْمِي، وأَحْزَنُ إذا أَخطأَ، إذْ لمْ يَكُنْ لهم قَصْدٌ إلاَّ ظُهُورَ الحقِّ، ولم يُبَالُوا معَ مَنْ كانَ.

ثمَّ ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى الجوابَ في قريبٍ مِنْ عشرينَ صفحةً، تُبَيِّنُ فيها خَطأَ شَيْخِنا رَحِمَهُ اللَّهُ بشَهادةِ العُلماءِ الأعلامِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت