فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 40

فصْلٌ

في الْحَثِّ على تَقييدِ العلْمِ بالكتابةِ

رَوَى الإمامُ أبو عمرَ بنُ عبدِ الْبَرِّ في (جامِعُ بيانِ العلْمِ وفَضْلِهِ) عنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قامَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فذَكَرَ الْخُطبةَ خُطْبَةَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: فقامَ رجُلٌ مِن اليمَنِ، يُقَالُ لهُ: أَبُو شَاهٍ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ اكْتُبُوا لِي، فقالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ (( اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ ) )؛ يعني: الْخُطبةَ.

وعنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ ) ).

وعنْ سَوَادَةَ بنِ حَيَّانَ قالَ: سَمِعْتُ مُعاويَةَ بنَ قُرَّةَ يقولُ: مَنْ لم يَكْتُبِ العلْمَ فلا تَعُدُّوهُ عَالِمًا.

وعن الأعمَشِ قالَ: قالَ الْحَسَنُ: إِنَّ لنا كُتُبًا نَتَعَاهَدُها.

وقالَ الخليلُ بنُ أحمدَ: اجْعَلْ ما تَكْتُبُ بيتَ مالٍ، وما في صَدْرِكَ لِلنَّفَقَةِ.

وعنْ سُلَيْمَانَ بنِ موسى قالَ: يَجْلِسُ إلى العالِمِ ثلاثةٌ: رجُلٌ يَأخذُ كلَّ ما سَمِعَ فذلكَ حاطِبُ لَيْلٍ، ورَجلٌ لا يَكتبُ ويَسمَعُ، فذلكَ يُقَالُ لهُ: جَليسُ العالِمِ، ورجُلٌ يَنْتَقِي وهوَ خَيْرُهم، وهذا هوَ العَالِمُ.

وذَكَرَ الْمُبَرِّدُ قالَ: قالَ الخليلُ بنُ أحمدَ: ما سَمِعْتُ شيئًا إلاَّ كَتَبْتُهُ، ولا كَتَبْتُهُ إلاَّ حَفِظْتُهُ، ولا حَفِظْتُهُ إلاَّ نَفَعَنِي.

قُلْتُ: لقدْ نَصَحَ نفْسَهُ هذا الإمامُ، وأَفَادَ مَن اقْتَدَى بهِ، فَإِنْ حَفِظَ ما كَتَبَ نَفَعَهُ، وإلاَّ صارَتْ حالُهُ كحالِ القائلِ:

أمَا لوْ أَعِي كُلَّ مَا أَسْمَعُ وأَحْفَظُ مِنْ ذَاكَ ما أَجْمَعُ

ولمْ أَسْتَفِدْ غيرَ ما قدْ جَمَعْتُ لَقِيلَ: أَنَا العالِمُ الْمُقَنَّعُ

ولَكِنَّ نَفْسِي إلى كلِّ فَنٍّ ... مِن العِلْمِ تَسْمَعُهُ تَنْزِعُ

فلا أَنَا أَحْفَظُ ما قدْ جَمَعْتُ ولا أنا مِنْ جَمْعِهِ أَشْبَعُ

وأَقْعُدُ للجَهْلِ في مَجْلِسٍ ... وعِلْمِي في الكُتُبِ مُسْتَوْدَعُ

ومَنْ يَكُ في عِلْمِهِ هَكَذَا ... يَكُنْ دَهْرَهُ القَهْقَرَى يَرْجِعُ

إذا لَمْ تَكُنْ حافِظًا وَاعِيًا فجَعْلُكَ لِلْكُتْبِ لا يَنْفَعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت