فصْلٌ
في ذِكْرِ أوَّلِ مَنْ صَنَّفَ مِنْ عُلماءِ الإسلامِ
قالَ الإمامُ السُّيوطِيُّ في (التَّدْرِيبُ) : أمَّا ابْتِدَاءُ تَدْوِينِ الحديثِ، فإنَّهُ وقَعَ على رَأْسِ الْمِائةِ في خِلافةِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ بأمرِهِ، ففي (صحيحُ البُخاريِّ) في أَبْوَابِ العِلْمِ: وكتَبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى أبي بكرِ بنِ حَزْمٍ:
انْظُرْ ما كانَ مِنْ حديثِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاكْتُبْهُ؛ فإِنِّي خِفْتُ دُروسَ العلْمِ وذهابَ العُلماءِ.
قالَ الحافظُ في (فتحُ البارِي) : يُستفادُ مِنْ هذا ابْتِدَاءً تَدْوِينُ الحديثِ النبويِّ، فَأَفَادَ أنَّ أوَّلَ مَنْ دَوَّنَهُ بأمْرِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ الإمامُ ابنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، ثمَّ دُوِّنَت السُّنَنُ مَمزوجةً بأقوالِ الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُم وفَتَاوَى التابعينَ.
وأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ ذلكَ ابنُ جُرَيْجٍ بِمَكَّةَ، وابنُ إسحاقَ ومالكٌ بالمدينةِ، والرَّبِيعُ بنُ صُبَيْحٍ وسعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ وحَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ بالبَصرةِ، وسُفيانُ الثَّوْرِيُّ بالكوفةِ، والأوْزَاعِيُّ بالشَّامِ، وهُشَيْمٌ بوَاسِطَ، ومَعْمَرٌ باليمَنِ، وجَريرُ بنُ عبدِ الحميدِ بالرَّيِّ، وابنُ المُبَارَكِ بخُراسانَ، وكانَ هؤلاءِ في عصْرٍ واحدٍ، فلا يُدْرَى أيُّهم أسْبَقُ. وهؤلاءِ كَانُوا في أثناءِ الْمِائةِ الثانيَةِ، ثمَّ تَلا الْمَذْكُورِينَ كثيرٌ مِنْ أهْلِ عَصْرِهم، انْتَهَى.
فظَهَرَ أنَّ أوَّلَ مَنْ صَنَّفَ في الحديثِ هوَ الإمامُ ابنُ شِهابٍ الزُّهْرِيُّ، وقدْ صَرَّحَ بذلكَ الإمامُ أبو عمرَ بنُ عبدِ الْبَرِّ في كتابِهِ (جامِعُ بيانِ العلْمِ وفَضْلِهِ) .
وقالَ الحافظُ الذَّهَبِيُّ في (تَذْكِرَةُ الحافِظِ) في تَرجمةِ ابنِ جُرَيْجٍ: قالَ أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: كانَ - يَعْنِي ابنَ جُرَيْجٍ- مِنْ أَوْعِيَةِ العلْمِ، وهوَ وابنُ أَبِي عَروبةَ أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الكُتُبَ، انْتَهَى.
قُلْتُ: فيَظْهَرُ مِنْ تحقيقِ الحافِظِ أنَّ المرادَ بهِ الكُتُبُ الْمَمْزُوجَةُ بأقوالِ الصحابةِ والتابعينَ لا مُطْلَقًا. وللإمامِ شيخِ الإسلامِ أبي العبَّاسِ أحمدَ بنِ عبدِ الحليمِ بنِ عبدِ السلامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في الرِّسَالَةِ التي كَتَبَها في مَذْهَبِ أهلِ الْمَدينةِ كلامٌ نَفِيسٌ جَديرٌ بالذِّكْرِ.
قالَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُ: وأمَّا (الْمُوَطَّأُ) ونَحْوُهُ، فإنَّهُ صُنِّفَ على طريقةِ العلماءِ الْمُصَنِّفِينَ إذْ ذَاكَ؛ فإنَّ الناسَ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانُوا يَكتبونَ القرآنَ، وكانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قدْ نَهَاهُم أنْ يَكْتُبُوا عنهُ غيرَ القرآنِ، قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( مَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ ) ).
ثمَّ نُسِخَ ذلكَ عندَ جُمهورِ العُلماءِ؛ حيثُ أَذِنَ في الكتابةِ لعبْدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو وقالَ: (( اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ ) )، وكتَبَ لعمرِو بنِ حَزْمٍ كتابًا.
قَالُوا: وكانَ النَّهْيُ أوَّلًا خَوْفًا مِن اشْتِبَاهِ القرآنِ بغيرِهِ، ثمَّ أَذِنَ لَمَّا أَمِنَ ذلكَ، فكَانَ الناسُ يَكتبونَ مِنْ حديثِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يَكتبونَ، وكَتَبُوا أيضًا غيرَهُ.
ولمْ يَكُونُوا يُصَنِّفُونَ ذلكَ في كُتُبٍ مُصَنَّفَةٍ إلى زَمَنِ تَابِعِي التابعينَ فَصُنِّفَ العلْمُ، فأَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ ابنُ جُرَيْجٍ شيئًا في التفسيرِ، وصَنَّفَ سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ وحَمَّادُ بنُ سَلمةَ ومَعْمَرٌ، وأمثالُ هَؤُلاءِ يُصَنِّفُونَ ما في البَابِ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والصحابةِ والتابعينَ، وهذهِ هيَ كانتْ كُتُبَ الفقْهِ والعلْمِ والأصولِ والفروعِ بعدَ القرآنِ.
فصَنَّفَ مالِكٌ (الْمُوَطَّأَ) على هذهِ الطريقةِ، وصَنَّفَ بعْدَهُ عبدُ اللَّهِ بنُ المبارَكِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ، ووكيعُ بنُ الْجَرَّاحِ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، وعبدُ الرَّزَّاقِ، وسعيدُ بنُ منصورٍ، وغيرُ هؤلاءِ، انْتَهَى.