فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 40

فصلٌ

في النِّيَّةِ وأنَّهُ يَجِبُ على كلِّ عامِلِ بِرٍّ إخلاصُهُ للَّهِ

قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) )، فأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّ العمَلَ مُتَعَلِّقٌ بالنِّيَّةِ، فمَنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ وعمِلَ صالحًا حَصَدَ يومَ القيامةِ الكرامةَ، ومَنْ عَمِلَ ضِدَّ ذلكَ حَصَدَ النَّدَامَةَ.

فمَنْ طَلَبَ العلْمَ لوَجْهِ اللَّهِ تعالى نَفَعَهُ اللَّهُ بعِلْمِهِ، ونَفَعَ بهِ غيرَهُ مِن المسلمينَ، ومَنْ طَلَبَهُ للرِّياءِ والسُّمْعَةِ ونَيْلِ الْحُطَامِ دَخَلَ تحتَ الحديثِ الذي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عنْ كعْبِ بنِ مالِكٍ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ ) ).

وقد استعاذَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنْ هذا العلْمِ الضارِّ الذي لم يَنتفعْ بهِ صاحبُهُ؛ لكونِهِ غيرَ خالصٍ لوجهِ اللَّهِ، كما في (صحيحِ مُسلمٍ) عنْ زيدِ بنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنْهُ، أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ كانَ يقولُ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا ) ). ورَوَى أبو داودَ عنْ أبي هُريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: (( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لا يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) )؛ يَعنِي: رِيحَهَا.

ورَوَى التِّرمذيُّ عنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتَلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، وَيَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ. يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: أَبِي تَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ تَجْتَرِؤُونَ؟ فَبِي حَلَفْتُ لأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ حَيْرَانَ ) ).

وقالَ ابنُ المُبَارَكِ: ما شيءٌ أفْضَلَ مِنْ طَلَبِ العلْمِ للَّهِ، وما شيءٌ أبغَضَ إلى اللَّهِ مِنْ طَلَبِ العلْمِ لغيرِ اللَّهِ.

قالَ العلاَّمةُ السَّفَارِينِيُّ في (غِذاءُ الألبابِ) عندَ قولِ الإمامِ ابنِ عبدِ القَوِيِّ:

فعِنْدِي مِنْ علْمِ الحديثِ أَمَانَةٌ سَأَبْذُلُهَا جَهْدِي فأَهْدِي وأَهْتَدِي

: واعْلَمْ أنَّ لِزَكَاةِ العلْمِ ونَحْوِهِ طَريقيْنِ:

أحدُهما: تَعْلِيمُهُ للعالِمِ؛ فإنَّ اللَّهَ سُبحانَهُ وتعالى يُنَمِّي عِلْمَهُ بذلكَ ويُزَكِّيهِ.

والثاني: العمَلُ بهِ؛ فإنَّ العمَلَ بهِ أيضًا يُنَمِّيهِ ويُكَثِّرُهُ، ويَفتحُ لصاحبِهِ أبوابَهُ وخَباياهُ.

ثمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: واعلَمْ أنَّ الأمانةَ تُضْمَنُ بالتَّعَدِّي أو التَّفْرِيطِ، والتعَدِّي في العلْمِ يَشمَلُ كِتمانَهُ عمَّنْ يَستحِقُّهُ، فيُلْجِمُهُ اللَّهُ بلِجامٍ مِنْ نارٍ، ويَشْمَلُ اتِّخاذَهُ سُلَّمًا يُتَوَصَّلُ بهِ إلى تَنَاوُلِ الدنيا، وشَبَكَةً يُصْطَادُ بها حُطَامُها، ويَشمَلُ عدَمَ الإخلاصِ فيهِ.

وقالَ العلاَّمةُ القَسْطَلانِيُّ في شَرْحِهِ للبُخَارِيِّ عندَ الكلامِ على أوَّلِ حديثٍ منهُ، وهوَ حديثُ عمرَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنْهُ: مَنْ أَرَادَ الغنيمةَ صَحَّحَ العزيمةَ، ومَنْ أرادَ الْمَواهِبَ السَّنِيَّةَ أَخْلَصَ النِّيَّةَ، ومَنْ أخلَصَ الهجرةَ ضاعَفَ الإخلاصُ أَجْرَهُ، فمَنْ كَانَتْ هِجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فهِجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ، إنَّما تُنالُ المطالِبُ على قَدْرِ هِمَّةِ الطالِبِ، وإنَّما تُدْرَكُ الْمَقاصِدُ على قَدْرِ عَناءِ القاصِدِ، وعلى قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تَأْتِي العزائمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت