فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 40

وممَّا يَلِيقُ ذِكْرُهُ في هذا الْمَقامِ أنَّهُ وَقَعَتْ لي عِبارةٌ في (الكَوَاكِبِ) ، وهيَ قولُنا: فهوَ تعالى مُسْتَوٍ على عَرْشِهِ على الوَجْهِ الذي قالَهُ، وبالمَعْنَى الذي أرادَهُ استواءً مُنَزَّهًا عن الْمُمَاسَّةِ والتَّمَكُّنِ والْحُلولِ. فبَلَغَنِي عنْ بعضِ الإخوانِ أنَّهُ قالَ: إنَّ قولَهُ: مُنَزَّهًا عن الْمُمَاسَّةِ لم يَرِدْ عن السلَفِ، وما كِدْتُ أُصَدِّقُ لِظُهورِ المسألةِ، وكَوْنِها مِن البَدِيهِيَّاتِ، حتَّى تَوَاتَرَ النقْلُ لَدَيَّ مِن الطلَبَةِ.

فأَحْبَبْتُ أنْ أَذْكُرَ مُسْتَنَدِي هنا على وَجْهِ الاختصارِ؛ تَنبيهًا للغافِلِ، وخَوفًا مِن استطالةِ الجاهلِ، وإلاَّ فمَحَلُّ بَسْطِ الكلامِ على هذهِ المسألةِ في كِتَابِنا الذي أَلَّفْنَاهُ في الردِّ على الْجَهميَّةِ عندَما نَعودُ إلى إتمامِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.

قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ في (التَّدْمُرِيَّةِ) : وقدْ عُلِمَ أنَّهُ ما ثَمَّ مَوجودٌ إلاَّ الخالقَ والمخلوقَ، والخالِقُ مُبايِنٌ للمخلوقِ سبحانَهُ وتعالى، ليسَ في مخلوقاتِهِ شيءٌ في ذاتِهِ، ولا في ذَاتِهِ شيءٌ مِنْ مخلوقاتِهِ.

فهذا الكلامُ صريحٌ في عدَمِ مُمَاسَّةِ البارِي تعالى لشيءٍ مِنْ مخلوقاتِهِ؛ إذ الْمُبَايِنُ غيرُ مُمَاسٍّ، فالْمُبَايَنَةُ والْمُمَاسَّةُ نَقيضانِ لا يَجتمعانِ ولا يَرْتَفِعَانِ. وقدْ خَطَّأَ العقلاءُ - ومِنهم شيخُ الإسلامِ وابنُ القَيِّمِ - مَنْ يُثْبِتُ شيئًا ويَنفِي نَظيرَهُ، فالَّذِي يَعترِفُ بالْمُبايَنَةِ يَلْزَمُهُ عَقْلًا الاعترافُ بعَدَمِ الْمُمَاسَّةِ، وإلاَّ كابَرَ الْمَعقولَ وخَالَفَ المنقولَ، وهذا في غايَةِ الغَباوةِ والبَلاهةِ عندَ العُقلاءِ.

وقدْ صَرَّحَ بذلكَ الإمامُ أحمدُ في رَدِّهِ على الْجَهْمِيَّةِ حيثُ قالَ: فلَمَّا ظَهَرَت الْحُجَّةُ على الْجَهْمِيِّ، بما ادَّعى على اللَّهِ عزَّ وجلَّ أنَّهُ معَ خَلْقِهِ في كلِّ شيءٍ قالَ: هوَ غيرُ مُمَاسٍّ للشَّيْءِ ولا مُبايِنٍ منهُ، فقُلنا للجَهْمِيِّ: إذا كانَ غيرَ مُبايِنٍ، أَلَيْسَ هوَ مُمَاسٌّ+؟ قالَ: لا، فقُلْنَا: فكيفَ يكونُ في كلِّ شيءٍ غيرَ مُمَاسٍّ للشيءِ، فلَمْ يُحْسِن الجوابَ، فقالَ: بلا كَيْفٍ، فخَدَعَ الْجُهَّالَ بهذهِ الكلمةِ، ومَوَّهَ علَيْهِم.

والشاهِدُ مِنْ هذا قَوْلُهُ: إذا كانَ غيرَ مُبايِنٍ أَلَيْسَ هوَ مُمَاسٌّ+؟

فقَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ: بَائِنٌ مِنْ مخلوقاتِهِ معناهُ: غيرُ مُمَاسٍّ لها، وأمَّا مَنْ لم يَعْتَرِفْ بالْمُبَايَنَةِ فقدْ صَرَّحَ بكُفْرِهِ إمامُ أئمَّةِ أهْلِ السُّنَّةِ.

وقالَ ابنُ القَيِّمِ في (الجُيُوشُ الإسلاميَّةُ) لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ الإمامِ أحمدَ: وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: وإنَّ اللَّهَ تعالى عَزَّ وجَلَّ على عَرْشِهِ، فوقَ السماءِ السابعةِ، يَعْلَمُ ما تَحْتَ الأرضَ السُّفْلَى، وإنَّهُ غيرُ مُمَاسٍّ لشَيْءٍ مِنْ خلْقِهِ، هوَ تَبَارَكَ وتعالى بائنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وخَلْقُهُ بَائِنُونَ منهُ.

فانْظُرْ إلى قولِ الإمامِ أحمدَ: وأنَّهُ غيرُ مُمَاسٍّ لشيءٍ في خَلْقِهِ، وهلْ يَقُولُ مُسلمٌ: إنَّ العرْشَ ليسَ مِنْ جُملةِ خَلْقِهِ، وإنَّ اللَّهَ ليسَ مُبايِنًا لهُ، حاشَا وكَلاَّ.

قالَ شيخُ الإسلامِ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُ في (التَّدْمُرِيَّةِ) بعدَ كلامٍ: وإنْ أرادَ أنَّهُ مُنْحَازٌ عن المخلوقاتِ؛ أيْ: مُبايِنٌ لها، مُنْفَصِلٌ عنها، ليسَ حالاًّ فيها، فهوَ سبحانَهُ وتعالى كما قالَ أئِمَّةُ أهْلِ السُّنَّةِ: فوقَ سَمَاوَاتِهِ، على عرْشِهِ، بائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. فهذا صريحٌ في أنَّهُ سبحانَهُ وتعالى مُنْفَصِلٌ عنْ مَخلوقاتِهِ، ليسَ مُمَاسًّا لشيءٍ منها، ومِنْ جُملتِها العرْشُ.

وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: فأَمَّا عُلُوُّهُ ومُبَايَنَتُهُ للمخلوقاتِ فيُعْلَمُ بالعقْلِ الموافِقِ للسمْعِ، وأمَّا الاستواءُ على العرْشِ فطريقُ العلْمِ بهِ هوَ السمْعُ.

ونقَلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ في شَرْحِهِ لحديثِ النزولِ، عنْ شيخِ الإسلامِ الأنصاريِّ صاحبِ (مَنَازِلُ السائرينَ) الذي شَرَحَهُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ في (مَدارِجُ السَّالِكِينَ) وهوَ مِنْ أكثرِ أهْلِ السُّنَّةِ ردًّا على النُّفاةِ ما نَصُّهُ: هوَ على عَرْشِهِ بإخبارِهِ لنَفْسِهِ، فالعرْشُ حَدُّ خلْقِهِ الأعْلَى، وهوَ غيرُ محدودٍ بعَرْشِهِ، والعرْشُ مُحْتَاجٌ إلى مكانٍ، والرَّبُّ عَزَّ وجلَّ غيرُ مُحتاجٍ إليهِ، كما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت