قالَ سُبْحَانَهُ وتعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] . {الرَّحْمَنُ} اسمٌ، والاستواءُ: نَعْتُهُ مُتَّصِلٌ بذاتِهِ، والعرْشُ: خَلْقُهُ مُنْفَصِلٌ عنْ صِفاتِهِ ليسَ بِمُضْطَرٍّ إلى مكانٍ يَسَعُهُ، ولا حامِلٍ يَحْمِلُهُ.
فهذهِ نُصوصُ أهْلِ العلْمِ -كما رَأَيْتَ- صريحةٌ وظاهرةٌ في نَفْيِ المُمَاسَّةِ لشيءٍ مِن المخلوقاتِ، والعرْشُ منها، ومَع هذا فإنِّي أَطْلُبُ الدليلَ ممَّنْ خالَفَنِي.
قالَ سُبحانَهُ وتعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] ، وليسَ لأَحَدٍ أنْ يُثْبِتَ شيئًا أوْ يَنْفِيَهُ إلاَّ بدليلٍ، كما قالَهُ شيخُ الإسلامِ وغيرُهُ، ومَنْ حَفِظَ حُجَّةً على مَنْ لم يَحْفَظْ، والمُصَادَمَةُ في النقْلِ غيرُ جائزةٍ.
قالَ سبحانَهُ وتعالى: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} [الأحقاف: 11] ، وقالَ سُبحانَهُ وتعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يُونُس: 39] . والمناظَرَةُ في العلْمِ لتحقيقِ الْحَقِّ هيَ سيرةُ الفُضلاءِ، وكلٌّ يَتَكَلَّمُ بما رَزَقَهُ اللَّهُ تعالى مِن العلْمِ والفَهْمِ.
وقدْ قالَ بعضُ الفُضلاءِ: لم أَطْلُبِ العلْمَ لأَبْلُغَ أَقْصَاهُ، ولكنْ لأَعْلَمَ ما لا يَسَعُنِي جَهْلُهُ.
وقالَ الشاعرُ:
إذا ما انْتَهَى عِلْمِي تَنَاهَيْتُ عِنْدَهُ أطالَ فَأُمْلِيَ أمْ تَنَاهَى فأُقْصِرَا
ويُخْبِرُنِي عنْ غَائِبِ المرءِ فِعْلُهُ كفَى الفعْلُ عمَّا غَيَّبَ المرْءُ مُخْبِرَا
قالَ أبو عمرَ: وكانَ يُقَالُ: إذا عَلَّمْتَ العاقلَ عِلْمًا حَمِدَكَ، وإنْ عَلَّمْتَ الجاهِلَ ذَمَّكَ ومَقَتَكَ، وما تَعَلَّمَ مُسْتَحْيٍ ولا مُتَكَبِّرٌ قَطُّ.
وقالَ الحسَنُ: العاملُ على غَيْرِ علْمٍ كالسَّالِكِ على غيرِ طريقٍ، والعاملُ على غيرِ علْمٍ ما يُفْسِدُ أكثرُ ممَّا يُصْلِحُ، فاطْلُبُوا العلْمَ طَلَبًا لا يَضُرُّ بالعِبادةِ، واطْلُبُوا العِبادةَ طَلَبًا لا يَضُرُّ بالعلْمِ؛ فإنَّ قَومًا طَلَبُوا العبادةَ وتَرَكُوا العلْمَ حتَّى خَرَجُوا بأسيافِهم على أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولوْ طَلَبُوا العلْمَ لم يَدُلَّهُمْ على ما فَعَلُوا.
وعنهُ أيضًا قالَ: إنَّ مِنْ أخلاقِ المؤمنِ قُوَّةً في دِينٍ، وحَزْمًا في لِينٍ، وإيمانًا في يقينٍ، وحِرْصًا على علْمٍ، وشَفَقَةً في مِقَةٍ، وقَصْدًا في عِبادةٍ، ورحمةً للمجهودِ، وإعطاءً للسائلِ، لا يَحِيفُ على مَنْ يُبْغِضُ، ولا يَأْثَمُ فيمَنْ يُحِبُّ، في الزَّلازِلِ وَقُورٌ، وفي الرَّخَاءِ شَكورٌ، قانعٌ بالَّذِي لهُ، يَنْطِقُ ليَفْهَمَ، ويَسْكُتُ لِيَسْلَمَ، ويُقِرُّ بالحَقِّ قَبْلَ أنْ يُشْهَدَ عليهِ.
قُلْتُ: فما أحْسَنَ هذا الكلامَ وأصدَقَهُ، وجديرٌ بِمَنْ نَصَحَ نفْسَهُ وخالَفَ شَيطانَهُ وهَواهُ أنْ يَحْمِلَ نفْسَهُ على الاتِّصافِ بهِ، ويُجاهدَها في سبيلِ الحقِّ ليَفوزَ بالسعادةِ دُنْيَا وأُخْرَى.
وقدْ أشارَ إليَّ بعضُ أصحابِي الأذكياءِ، أنْ أَذْكُرَ هذهِ المسألةَ هنا لعِلْمِهِ بما تَؤُولُ إليهِ الشُّبَهُ، ولَبْسُ الحقِّ بالباطلِ، ممَّا لا تُحْمَدُ عاقبتُهُ، فامْتَثَلْتُ إشارتَهُ، وأمَّا أنا فَإِنِّي أحْتَقِرُ كلَّ كلامٍ صَدَرَ عنْ سُوءِ نِيَّةٍ، وأغراضٍ رَدِيَّةٍ، ولقدْ أحْسَنَ القائلُ:
ومَهْمَا تكُنْ عندَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ وإنْ خالَها تَخْفَى على الناسِ تُعْلَمُ