فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 40

ومِنْ آفاتِ العلْمِ: استغناءُ الإنسانِ بنفْسِهِ، وثِقَتُهُ بعِلْمِهِ وحَدْسِهِ عنْ مُراجَعَةِ العُلماءِ والأخْذِ عنهم، والاستضَاءَةِ بنُورِ أفكارِهم، فلقدْ حذَّرَ العُلماءُ عنْ ذلكَ، وبالَغُوا في النهيِ عنهُ، كما رَوَى العَلاَّمَةُ ابنُ خَلِّكَانَ في تَرجمةِ الحافظِ الإمامِ ابنِ عساكرَ قولَهُ:

أَلا عِلْمُ الحديثِ أجَلُّ عِلْمٍ وأَشْرَفُهُ الأحاديثُ العَوَالِي

وأَنْفَعُ كلِّ نوعٍ منهُ عِندِي وأَحسَنُهُ الفوائدُ والأَمَالِي

وإنَّكَ لَنْ تَرَى للعِلْمِ شَيْئًا يُحَقِّقُهُ كأَفْوَاهِ الرجالِ

فكُنْ يا صاحُ ذا حِرْصٍ عليْهِ وخُذْهُ عن الرجالِ بلا مِلالِ

ولا تَأْخُذْهُ مِنْ صُحُفٍ فَتُرْمَى مِن التَّصَحُّفِ بالدَّاءِ العُضَالِ

وممَّا يَقْبُحُ بالمُتَعَلِّمِ ويَرفَعُ عنهُ نُورَ العلْمِ والفضْلِ والكمالِ، ويَكُونُ سَبَبًا لِحِرمانِهِ، وعَدَمِ انتفاعِهِ ونفْعِهِ وعِلْمِهِ، إطلاقُ لسانِهِ بالشَّتْمِ والقذْفِ والغِيبةِ والنميمةِ، وغيرِ ذلكَ مِنْ صفاتِ الأَرْذَالِ الذميمةِ، وأقبَحُها الْحَسَدُ، عِياذًا بكَ اللَّهُمَّ مِنْ ذلكَ؛ فإنَّ الْحَسَدَ - كما في (غذاءُ الألبابِ) ضارٌّ في الدِّينِ والدُّنيا.

أمَّا ضَرَرُهُ في الدِّينِ فإنَّ الحاسِدَ قدْ سَخَطَ قضاءَ اللَّهِ تعالى، فَكَرِهَ نِعمتَهُ على عِبادِهِ، وهذا قَذًى في بَصَرِ الإيمانِ، ويَكفيهِ أنَّهُ شَارَكَ إِبليسَ في الْحَسَدِ، وفارَقَ الأنبياءَ في حُبِّهِم الخيرَ لكلِّ أَحَدٍ، ولقَدْ أَحْسَنَ القائلُ:

أَلا قُلْ لِمَنْ كانَ لِي حاسِدًا أتَدْرِي على مَنْ أَسَأْتَ الأدَبْ

أَسَأْتَ على اللَّهِ في حُكْمِهِ ... لأنَّكَ لم تَرْضَ لي ما وَهَبْ

فجازاكَ ربِّي بأنْ زَادَنِي ... وسَدَّ عليكَ وُجوهَ الطَّلَبْ

وقدْ ذَكَرْتُ أشعارًا لَطيفةً في ذَمِّ الْحَسَدِ، وأقسامِ الْحَسَدَةِ في آخِرِ (شَرْحُ شواهِدِ شرْحِ القَطْرِ) ، وبَيَّنْتُ هناكَ أنَّ الْحَسَدَةَ رُبَّما حَصَلَ بهم نَفْعٌ للمحسودِ معَ ضَرَرِهم لأَنْفُسِهم.

وأَمَّا ضَرَرُهُ في الدُّنيا فإنَّ الحاسدَ يَتألَّمُ ولا يَزالُ في كَمَدٍ، وأَنْشَدُوا:

دَعِ الحَسُودَ وما يَلقاهُ مِنْ كَمَدٍ كَفَاكَ منهُ لَهِيبُ النارِ في كَبِدِهْ

إنْ لُمْتَ ذا حَسَدٍ نَفَّسْتَ كُرْبَتَهُ وإنْ سَكَتَّ فَقَدْ عَذَّبْتَهُ بِيَدِهْ

قالَ الأَصْمَعِيُّ: سَمِعتُ أعرابيًّا يقولُ: ما رَأَيْتُ ظالِمًا أَشْبَهَ بِمَظلومٍ مِن الحاسِدِ: حُزْنٌ لازِمٌ، ونَفَسٌ دائمٌ، وعَقْلٌ هائمٌ، وحَسرةٌ لا تَنقضِي.

وفي (سُنَنِ أبي دَاوُدَ) عنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ؛ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ) ، أوْ قالَ: (( الْعُشْبَ ) ).

قالَ في (غِذاءُ الألبابِ) : فَبِاللَّهِ عليكَ اعْرِفْ قَدْرَ الدُّنيا، واعْلَمْ أنَّها هُمُومٌ مُتراكِمَةٌ، وغُمومٌ مُتلاطِمَةٌ، وحِسابٌ وعَذَابٌ، وهيَ خِرَقٌ وتُرَابٌ، وصُوَرٌ وخَرَابٌ، فرَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا عَرَفَ نفْسَهُ وعَرَفَ الدُّنيا، وعَمِلَ على مُقتَضَى كُلٍّ بِحَسَبِهِ، واللَّهُ سُبحانَهُ وتعالى المَسْؤُولُ أنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِنا مِن النُّورِ ما يَزولُ بهِ الدَّيْجُورُ، ونُشاهِدُ حَقَائِقَ الأمورِ، على حَسَبِ ما يُرْضِي الغَفُورَ، إنَّهُ جَوَادٌ كريمٌ رَؤُوفٌ رحيمٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت