يعني بقولِهِ: وشيخي أحمدُ، شيخَ الإسلامِ ابنَ تَيْمِيَّةَ، فهوَ أحمدُ بنُ عبدِ الحليمِ بنِ عبدِ السلامِ، رَحِمَهم اللَّهُ تعالى.
وقالَ أبو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ، وهوَ مِنْ أصحابِ شيخِ الإسلامِ: ما رَأَيْتُ مِثْلَهُ، ولا هوَ رَأَى مِثْلَ نَفْسِهِ، وما رَأَيْتُ أَحدًا أَعْلَمَ بكتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رسولِهِ ولا أَتْبَعَ لَهُمَا منهُ.
وقالَ الإمامُ العالِمُ العَلاَّمَةُ شهابُ الدينِ أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ فضْلِ اللَّهِ العُمَرِيُّ الشافعيُّ في مَرْثِيَّتِهِ المشهورةِ التي رَثَا بها شيخَ الإسلامِ:
ولَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ بعدَ الصحابةِ في عِلْمٍ عظيمٍ وزُهْدٍ مالَهُ خَطَرُ
طريقُهُ كَانَ يَمْشِي قبلَ مِشْيَتِهِ بها أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أوْ عُمَرُ
فَرْدُ الْمَذاهبِ في أقوالِ أرْبَعَةٍ جَاؤُوا على أَثَرِ السُّبَّاقِ وابْتَدَرُوا
لَمَّا بَنَوْا قَبْلَهُ عُلْيَا مَذَاهِبِهِمْ بَنَى وعَمَّرَ منها مِثْلَ ما عَمَرُوا
مِثْلُ الأئمَّةِ قدْ أَحْيَا زمانَهُمُ كأنَّهُ كانَ فِيهِمْ وَهْوَ مُنْتَظَرُ
إنْ يَرْفَعُوهُمْ جميعًا رَفْعَ مُبْتَدَأٍ فحَقُّهُ الرفْعُ أيضًا إنَّهُ خَبَرُ
وقالَ الإمامُ الحافظُ الذهبيُّ في مُعْجَمِ شُيوخِهِ لَمَّا ذَكَرَ شيخَ الإسلامِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ: وهوَ أَكْبَرُ مِنْ أنْ يُنَبِّهَ على سِيرتِهِ مِثْلِي، فَلَوْ حَلَفْتُ بينَ الرُّكْنِ والْمَقامِ أَنِّي ما رَأَيْتُ بعَيْنِي مِثْلَهُ، وأنَّهُ لَمَّا رَأَى هوَ مِثْلَ نفْسِهِ، ما حَنِثْتُ.
وُلِدَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنْهُ في عَاشِرِ ربيعٍ الأولِ سنةَ 661 هـ إِحْدَى وستِّينَ وسِتِّمِائةٍ في حَرَّانَ، وبَقِيَ فيها إلى أنْ بَلَغَ سَبْعَ سِنينَ، ثمَّ بَعْدَ ذلكَ هاجَرَ والدُهُ بهِ وبإِخوتِهِ إلى الشامِ، فنَشأَ بدِمَشْقَ أَتَمَّ إنشاءٍ وأزْكَاهُ، وأَنْبَتَهُ اللَّهُ أحسَنَ النَّبَاتِ وأَوفاهُ.
وكانَتْ مَخَايِلُ النَّجَابَةِ عليهِ في صِغَرِهِ لائحةٌ، ودليلُ العِنايَةِ فيهِ واضحةٌ، وحَجَّ سنةَ 691 هـ إحدى وتسعينَ وسِتِّمِائةٍ، وهيَ السَّنَةُ التي وُلِدَ فيها الإمامُ ابنُ القيِّمِ، تلميذُ شيخِ الإسلامِ، وتُوُفِّيَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُ في دِمَشْقَ ليلةَ الاثْنَيْنِ مِنْ ذي القَعْدَةِ سنةَ ثمانٍ وعشرينَ وسَبْعِمِائةٍ هِجْرِيَّةً.
تنبيهٌ: إذا تَأَمَّلَ العاقلُ الْمُنْصِفُ سيرةَ هذا الإمامِ، وما جَرَى لهُ مِنْ خُصُومِهِ مِن الْمِحَنِ والاعتراضاتِ، وتَبَيَّنَ لهُ صِحَّةُ أقوالِهِ وقُوَّةُ أدِلَّتِها، علِمَ أنَّ الحامِلَ لهم على ذلكَ الْخِلافُ في العقائدِ؛ فإنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُ مِن الأَئِمَّةِ الْمُثْبِتَةِ الْمُتَمَسِّكينَ بعقيدةِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، الْمُدافعينَ عنها الذَّابِّينَ عنْ حِمَاها، حتَّى أُنْشِدَتْ بذلكَ الأشعارُ، فمِنْ ذلكَ قولُ بعضِ الفُضلاءِ:
إنْ كانَ إثباتُ الصفاتِ جَمِيعِها مِنْ غيرِ كَيْفٍ مُوجِبًا لَوْمِي
وأَصِيرُ تَيمِيًّا بذلكَ عنْدَكُمْ فالمسلمونَ جَمِيعُهُمْ تَيْمِي
وبسببِ ذلكَ أَلْزَمُوهُ بلَوازِمَ هوَ منها بريءٌ؛ كالتَّجْسِيمِ الذي جَرَتْ عادَةُ الْمُعَطِّلَةِ النُّفاةِ أنْ يُطْلِقُوهُ على أهْلِ السُّنَّةِ الْمُثْبتينَ للصِّفَاتِ، وكتُبُ الشيخُ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ طافحةٌ بإِنْكَارِ هذا اللازمِ، فإلزامُهم إيَّاهُ باطلٌ.
قالَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ في (شَرْحُ حديثِ النُّزُولِ) في أَثْنَاءِ كلامٍ مُفيدٍ: بل الربُّ سبحانَهُ وتعالى موصوفٌ بالصفاتِ، وليسَ جِسْمًا مُرَكَّبًا لا مِن الجواهِرِ الْمُفْرَدَةِ ولا مِن المادَّةِ والصُّورةِ، قُلْتُ: الأوَّلُ قَوْلُ أهلِ الكلامِ الْمُبْتَدَعِ، والثاني: قولُ الفلاسفةِ.
ويعني بالمَادَّةِ: الْهَيُولَى بزَعْمِهم.
وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ هذا الكتابِ: فالجسْمُ في اللغةِ هوَ البَدَنُ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عنْ ذلكَ، وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في (الرسالةُ الْمَدَنِيَّةُ) بعدَ كلامٍ مُهِمٍّ ما نَصُّهُ: فإنَّ أَقْصَى ما يَذْكُرُهُ المتكَلِّمُ؛ يَعْنِي: في نَفْيِ الصفاتِ الْخَبَرِيَّةِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} .
وقولُهُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشُّورى: 11] .