فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 40

إلى أنْ قَدَّرَ اللَّهُ سُبحانَهُ وتعالى وُقوعَ تَصنيفِ الشيخِ الإمامِ، إمامِ الدُّنيا، في يَدِي قُبَيْلَ وَقْعَتِهِ الأخيرةِ بقليلٍ، فوَجَدْتُ فيهِ ما بَهَرَنِي في مُوَافَقَةِ فِطْرَتِي؛ لِمَا فيهِ مِنْ عَزْوِ الحقِّ إلى أئمَّةِ السُّنَّةِ وسلَفِ الأمَّةِ، معَ مُطَابَقَةِ المعقولِ والمنقولِ.

فبُهِتُّ لذلكَ سُرورًا بالحقِّ، وفَرَحًا بوُجُودِ الضَّالَّةِ التي ليسَ لفَقْدِها عِوَضٌ، فصَارَتْ مَحَبَّةُ هذا الرجُلِ رَحِمَهُ اللَّهُ محبَّةً ضَرُورِيَّةً تَقْصُرُ عنْ شَرْحِ أَقِلِّها العِبَارَةُ وَلَوْ أُطْنِبَتْ.

ولَمَّا عَزَمْتُ على الْمُهاجَرَةِ إلى لُقْيَاهُ وَصَلَنِي خَبَرُ اعتقالِهِ، وأَصَابَنِي لذلكَ الْمُقِيمُ الْمُقْعِدُ، ولَمَّا حجَجْتُ سنةَ ثَمَانٍ وعشرينَ وسَبْعِمائةٍ صمَّمْتُ العزْمَ على السفَرِ إلى دِمَشْقَ؛ لأَتَوَصَّلَ إلى مُلاقاتِهِ بِبَذْلِ ما أَمْكَنَ مِن النفْسِ والمالِ؛ للتفريجِ عنهُ، فَوَافَانِي خَبَرُ وفاتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى معَ الرجوعِ إلى العراقِ قُبَيْلَ وُصولِي إلى الكُوفَةِ، فَوَجَدْتُ عليهِ ما لا يَجِدُ الأخُ على شقيقِهِ، وأَستغفِرُ اللَّهَ بلْ ولا الوَالِدُ الثاكِلُ على وَلَدِهِ.

وما دَخَلَ على قَلْبِي مِن الْحُزْنِ لِمَوْتِ أحَدٍ مِن الولَدِ والأقارِبِ والإخوانِ كما وَجَدْتُهُ عليهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، ولا تَخَيَّلْتُهُ قطُّ في نَفْسِي ولا تَمَثَّلْتُهُ في قَلْبِي إلاَّ ويَتَجَدَّدُ لي حُزنٌ جديدٌ كأنَّهُ مُحْدَثٌ.

وواللَّهِ ما كَتَبْتُهَا إلاَّ وأَدْمُعِي تَتساقَطُ عندَ ذِكْرِهِ، أسَفًا على فِراقِهِ وعدَمِ مُلاقاتِهِ، فإنَّا للَّهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العظيمِ.

وما شَرَحْتُ هذهِ النَّبْذَةَ مِنْ مَحَبَّةِ الشيخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى إلاَّ لِيَتَحَقَّقَ بُعْدِي عنْ تلكَ الهمومِ، لكنْ لَمَّا سَبَقَ الوعدُ الكريمُ منْكُم بإنفاذِ فِهْرِسِ مُصَنَّفَاتِ الشيخِ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنْهُ، وتَأَخَّرَ ذلكَ عنِّي اعتَقَدْتُ أنَّ الإضرابَ عنْ ذلكَ نَوْعُ تَقِيَّةٍ، أوْ لِعُذْرٍ لا يَسَعُنِي السؤالُ عنهُ، فسَكَتُّ عن الطلَبِ خَشيَةَ أنْ يَلْحَقَ أَحَدًا ضَرَرٌ - والعِياذُ باللَّهِ - بسَبَبِي؛ لِمَا كانَ قد اشْتَهَرَ مِنْ تلكَ الأحوالِ، فإنْ أَتْمَمْتُمْ بشيءٍ مِنْ مُصَنَّفَاتِ الشيخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى كانتْ لكم الحسَنَةُ عندَ اللَّهِ علَيْنَا بذلكَ، فما أشْبَهَ كلامَ هذا الرجُلِ بالتِّبْرِ الخالِصِ الْمُصَفَّى.

وقدْ يَقَعُ في كلامِ غيرِهِ مِن الْغِشِّ والشُّبَهِ الْمُدَلَّسِ بالتِّبْرِ على ما لا يَخْفَى على طالِبِ الحقِّ بِحِرْصٍ ولا عَدَمِ هوًى، ولا أزالُ أَتَعَجَّبُ مِن المُنْتَسِبِينَ إلى حُبِّ الإنصافِ في البحْثِ الْمُبَرَّزِينَ على أهلِ التقليدِ، أنَّ المعقولاتِ التي يَزْعُمُونَ أنَّ مُستندَهُم الأعظمَ الصريحُ منها كَيْفَ يُبَايِنُونَ ما أَوْضَحَهُ الحقُّ وكَشَفَ عنْ قِنَاعِهِ.

وقدْ كانَ الواجبُ على الطَّلَبَةِ شَدُّ الرِّحَالِ إليهِ مِن الآفاقِ لِيَرَوُا العَجَبَ، وما أَشْبَهَ حالَ المُبَايِنِينَ لهُ مِن الْمُنْتَسِبِينَ للعلْمِ الطالبينَ للحقِّ الصريحِ، الذي أَعْيَاهُم وُجدانُهُ بحالِ قومٍ ذَبَحَهم العطَشُ والظمَأُ في بعضِ الْمَفازاتِ، فحينَ أَشْرَفُوا على التَّلَفِ لَمَعَ لهم شَطٌّ كالفُرَاتِ أوْ دِجْلَةَ أوْ كالنِّيلِ، فعندَ مُعَايَنتِهم لذلكَ اعْتَقَدُوهُ سَرَابًا لا شَرابًا، فتَوَلَّوْا عنهُ مُدْبِرِينَ، فتَقَطَّعَتْ أعناقُهم عَطَشًا وظَمَأً، فالحكْمُ للَّهِ العَلِيِّ الكبيرِ.

وما أَرْسَلْنَا المُقَابَلَةَ مِن الطرفَيْنِ، ففيهِ تَعَسُّفٌ، وتُمَهِّدُونَ الْعُذْرَ في الإطنابِ.

فهذا الذي ذَكَرْتُهُ منْ حَالِي معَ الشيخِ كالقَطْرَةِ مِن البحْرِ، وإنْ أَنْعَمْتُمْ بالسلامِ على أصحابِ الشيخِ وأقارِبِهِ كبيرِهم وصغيرِهم، كانَ ذلكَ مُضافًا إلى سابِقِ إنعامِكم. والسلامُ عليكم ورحمةُ اللَّهِ وبَركاتُهُ، وأنْتُم في أمانِ اللَّهِ تعالى ورِعايتِهِ، والحمدُ للَّهِ وَحْدَهُ، وصَلَّى اللَّهُ على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمْ.

عبدُ اللَّهِ بنُ حامِدٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت