حولهم إلى أن دخلت البلد ودخلت دار المملكة فتلقاها الجواري والخدم وصقعوا لها وبكوا وبكت وأخرجت الصدقات والنذور للبيع والكنائس وباتت تحدثهم بما جرى لها وحديث شهرياض وكيف أخذت رأس العين. فقال أبوها: يا بنية كيف رأيتيهم في دينهم؟ قالت: أيها الملك! القوم يتظاهرون بالدين وأنهم يطلبون الدين والعدل حتى يرجع الناس إليهم، وليس والله دين أفضل من دين المسيح وقد نذرت نذرًا متى خلصت من يد العرب أن لا أقرب قربانًا ولا أشرب خمرًا ولا آكل لحم خنزير ولا أنغمس في ماء المعمودية حتى أتعبد في بيعة يوحنا شهرين كاملين فإذا أنا تطهرت من دينهم أقرب القربان وأقبل الصلبان ففرح أبوها بذلك، فلما كان الغد مضت إلى البيعة وأخلت لها موضعًا وجعلت تتصدق على الفقراء وتظهر النسك والعبادة وأقامت تنتظر ما وعدها به"يوقنَّا"من القدوم بالرسالة إلى أبيها.
.عن قيس بن هبيرة قال: كنت من أصحاب"يوقنَّا"حين سار بالرسالة إلى بدليس وتحدث مع"طاريون"وأنفذ صاحب بدليس إليه، وكان لما بلغه قدوم"يوقنَّا"صعد إلى حصنه فاستحضره وأنا معه فوجدناه على سرير مملكته فسلمنا عليه. فقال"يوقنَّا": إن أمير جيوش المسلمين بأرض ربيعة وهو عياض بن غنم قد أرسلنا إليك ندعوك إلى توحيد الله ورسالة نبيه ولكم ما لنا وعليكم ما علينا واعتبر بمن تقدم من الملوك وأصحاب الأقاليم والعز فقد أصبحوا هالكين فما جوابك؟ فقال: أيها السيد إني قد كنت أردت أن أرسل رسولًا إلى أميركم في طلب الصلح وأعطيه شيئًا وأن أبقى على ديني، ومن أراد من أهل بلدي أن يرجع إلى دين القوم فلست أمنعه. فقال"يوقنَّا": بكم يطيب قلبك أن تدفع في صلحك على بدليس وأرزن وما تحت يدك من البلاد فإني إذا أمضيت لك الصلح وقد رضيت به العرب. فقال: أيها السيد أعطيهم مائة ألف دينار وخمسمائة زردية وألف قوس وأن لا يولى على مملكتي غيري حتى أموت وأن لا يبقى من قبلهم إلا رجل أو رجلان حتى يعلِّموا من أسلم شرائع الإسلام وأن يكون أمري نافذًا في مملكتي، ومن أسلم يكون أمره لمن يكون عندنا من قبلكم وما يكون لي عليهم حكم. فقال"يوقنَّا": قد أمضينا صلحك وأتممنا عهدك وأنا أعطيك عهد الله ورسوله على ما ذكرته. قال وأعطاه عهد الله ورسوله وهادنه على الهيئة التي هادن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هرقل ملك الروم وحلف له عن المسلمين كلهم. قال وإن قيسًا ذهب إلى عياض فأعلمه بما استقر بينهم، فلما وصل كتاب"يوقنَّا"إلى عياض رحل من مكانه إلى أن نزل على بدليس فوجد البطريق قد أخرج ما وقع عليه الصلح، فلما قدم عياض نزل إليه البطريق وتلقاهم وحياهم بأحسن تحية وأنزلهم في أحسن منزل وقدم لهم الأموال وكتبوا بذلك عهدًا.