وكان اسمه"يانس بن كليوس"وكان قد تزوج ب"ميرونة ابنة بزيونة ابنة بريول بن كالوص"صاحب القلب والحصن الحديد وكانت قد زُفَّت إليه وأقامت عنده سنة، ثم إنها مضت إلى زيارة أبيها وأمها وأقامت عندهما شهرًا، فلما خرجت من عندهما ومضت إلى الهتاج فبينما هي في نصف الطريق إذ بلغها أن المسلمين قد نزلوا عليها فجلست في مكانها ولم تبرح! وكان عدو الله يحبها ولا يجد له عنها صبرًا، فلما رأى المسلمين وقد نزلوا عليه علم أنه لا يقدر أن يجتمع بالجارية فاتفق رأيه أن يصالح المسلمين حيلة منه ومكرًا وخديعة حتى تحصل زوجته عنده ويغدر ولا يعطي أحدًا طاعة، فأرسل إلى عياض يقول له: إنك لو أقمت علينا بقية عمرك لما قدرت علينا ولكن صالحنا سنة كاملة شمسية، فإن أنت فتحت ما بقي من ديار بكر فنحن نرجع إلى طاعتك وإن لم تقدر على فتح البلاد فلا طاعة لك علينا والسلام. وأرسل إلى عياض رجلًا من متنصرة العرب من ربيعة الفرس وكان ذلك الرجل مدبر بلاد الهتاج هو وبنو عمه، وكان اسمه مرهف بن واقد وكان ميله إلى العرب أكثر من الروم، فلما أتى بالرسالة إلى عياض أجابه إلى الصلح لئلا يطول مقامهم، فلما همَّ مرهف بالرجوع قال لعياض: أما والله أيها الأمير ما كنت بالذي أدع النصيحة للعرب وأستعملها للعلوج، وهذا العلج قد اتفق رأيه على كذا وكذا، فإن كنت ترحل وتكمن لزوجته وتأخذها ومن معها وتطلب منه البلد فإنه يسلم لوقته فافعل. فقال عياض: ما كنا نقول قولًا ولا نفي به ولعل الله ينظر إلى صدق نياتنا فيفتحه علينا.
فبينما مرهف يحدِّث عياضًا إذا بغبرة قد أقبلت فقال عياض لميسرة بن مسروق: اركب وانظر ما هذه الغبرة. فركب ومضى هو وجماعة من الصحابة وعاد ميسرة وهو يقول: أبشر أيها الأمير بالفتح! قال: وما الخبر يا ابن مسروق. قال: هذا جيش ابن هبيرة المازني قد أغار على البلاد وأتى بالأموال والرجال. فظهر البشر في وجه عياض وجعل يتطاول إلى قدوم ابن هبيرة حتى وصل وسلم على عياض وعلى المسلمين وعرض عليه الغنائم ومرهف بن واقد يتأملها إلى أن عرضت عليه جارية رومية تخجل الشمس منها! وعليها زي الملوك، فأطرق المسلمون إلى الأرض يستعملون الأدب مع الله في قوله:"قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ"، فلما نظر إليها مرهف قال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله وأن دينكم الحق وقولكم الصدق. فقال له عياض: ما بالك أيها الرجل؟ قال: هذه زوجة يانس صاحب الهتاج وقد طرحها الله في أيديكم! فسجد عياض شكرًا لله فلما رفع رأسه قال:"وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ".