للتقارب فقال العلج لميسرة: بحق دينك ما هذه الراية التي طلعت من وراء عسكركم فلم يلتفت إلى كلامه بل قال له:"وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ" (إبراهيم: 20) ، فقال: وحق ديني ما قلت إلا حقًا -وهو يحلف كاذبًا- فالتفت ميسرة لحرصه أن يأتي الله بالفرج وينظر تحقيق ما قاله اللعين فحمل البطريق عليه ومكنَّ يده منه ليأخذه أسيرًا، وإذا قد طلعت راية وهي مشرقة بالنور وهي في يد خالد بن الوليد. وكبر المسلمون تكبيرة واحدة فمن عِظم تكبيرهم ارتجت يد العلج فقبض عليه ميسرة وهمَّ أن يقلعه فلم يقدر لأنه كان مرفلًا في السرج، فجعل يجذبه فلم يقدر وقرب خالد منهما، فرفع البطريق سيفه يريد أن يضرب به ميسرة ليطلقه من يده فحاد السيف عن ميسرة ووقع على يد العلج الشمال فقطعها، وانتخع ميسرة، وانثنى البطريق إلى أصحابه ويده مقطوعة وهو يئن فالتقى به غلمانه فأخذوه وكووه، وأما خالد فإنه التقى بميسرة وتسالما وحدثه بما وقع له من الروم وكيف أسروا عبد الله بن حذافة السهمي فتأسف خالد واسترجع وقال يؤسر مثل عبد الله بن حذافة والله لا يفارقهم خالد أو يخلصه إن شاء الله تعالى.
وأقام خالد بقية ذلك اليوم، فلما كان من الغد أتاهم من جيش الروم شيخ وعليه مسوح السواد حتى وقف بإزائهم وأومأ بالسجود فمنعه خالد، وقال: ما الذي تريد؟ قال: إن كبير هؤلاء القوم يريد صلحكم ويطلق أسيركم ويدفع ما تريدون وترجعون. فقال خالد: ما نرجع إلا على انفصال، وأما الأسير فإذا لم تطلقوه طوعًا أطلقتموه كرهًا. قال: أنت أمير هؤلاء؟ قال: نعم. قال: وإن رأيت أن تؤخر القتال بقية يومنا هذا وليلتنا فافعل لندبر ما بيننا وبينكم ويبرد وجع هذا البطريق ونجيبكم إلى ما تريدون. قال له: أجبناكم إلى ذلك. فرجع الشيخ إلى قومه، وقال للبطريق: قد أجابوا ووضعت الحرب أوزارها، ونزل خالد والمسلمون بإزائهم في أماكنهم، وأضرم الروم النيران وزادوا فيها وحملوا أثقالهم وساروا من أول الليل، فلما كان الغد ركب المسلمون فلم يجدوا للروم أثرًا فعلموا أنهم قد ولوا الأدبار. فتأسف خالد على ما فاته فأراد أن يتبعهم فمنعه ميسرة، وقال له: إنها بلادهم وهي وعرة وإن الصواب رجوعنا إلى عسكر المسلمين. فأخذوا ما تركه الروم ورجعوا منصورين ولكنهم حزينون على أسر عبد الله بن حذافة السهمي وساروا حتى أتوا حلب فلقيهم أبو عبيدة وفرح بسلامتهم، وأقبل ميسرة يحدثه بما جرى لهم وكيف أسر عبد الله بن حذافة، فتأسف عليه، وقال: اللهم اجعل له من أمره فرجًا ومخرجًا. وكتب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يخبره بما وقع له من أمر السرية إلى الدروب وما كان من المسلمين وأخبره بأسر عبد الله بن حذافة وبعث الكتاب.